المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : :: الحَسَنُ البَصْريّ ::


محمد بن دوهان
11-13-2009, 12:01 AM
كيف يَضِلُّ قومٌ فيهم مِثلُ الـحَسَن البَصْريّ ؟!

« مَسْلَمة بن عَبْدالملك »
http://www.samysoft.net/forumim/fwasel/1/ertertert.gif





جاءَ البَشِيرُ يُبَشَّرُ زَوْجَ النبيِّ أًمّ سَلَمَةَ بِأَنَّ مَوْلاتَها (1) « خَيْرَةَ » قد وَضَعَتْ حَمْلَها ووَلدَتْ غُلاماً .


فغَمَرَتِ الفَرْحَةُ فؤادَ أُمِّ المؤْمنين رِضْوانُ اللهِ عليها، وطَفَحَ البِشْرُ (2) علَى مُحَيَّاها (3) النَّبيلِ الوَقور.



وبادَرَتْ فَأرْسَلَتْ رَسولاً لِيحْمِلَ إليها الوالِدَةَ ومَوْلودَها، لِتَقْضِيَ فَتْرَةَ النِّفَاسِ في بَيْتِها



#ff0000


(1) مولاتها : أمتها.
(2) طفح البشر .
(3) المحيا : الوجه.



-1-

محمد بن دوهان
11-13-2009, 02:58 PM
فقد كانت « خَيْرَةُ » أَثيرَةً (1) لَدَى أُمِّ سَلَمَةَ حَبِيبَةً إلَى قَلْبِها ...

وكان بِها لَهْفَةٌ وتَشَوُّقٌ لِرُؤْيَةِ وَليدِها البِكْرِ ...


* * *


وما هُوَ إلّا قليلٌ حتَّى جاءت « خَيْرَةُ » تـَحْمِلُ طِفْلَها علَى يَدَيْها ...

فلمَّا وَقَعَتْ عَيْنا أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى الطِّفْلِ امْتَلأتْ نَفْسُها أُنْساً به ، وارْتِياحاً لَهُ ..

فقد كان الوَليدُ الصغيرُ قَسِيماً وَسيماً (2) بَهيَّ الطَّلْعَةِ تامَّ الـخِلْقَةِ يَمْلأُ عَيْنَ مُجْتَلِيه (3) ، ويَأْسِرُ فُؤادَ رَائِيه .


#ff0000

(1) أثِيرَةً : عزيزة مكرمة.
(2) قسيماً وسيماً : جميلاً حسن الوَجْه .
(3) يأسر قؤاد رائيه : يملك قلب رائيه .





- 2 -

محمد بن دوهان
11-13-2009, 03:45 PM
ثـم التَفَتَتْ إلَى مَوْلاتِها وقالت :
أَسَمَّيْتِ غُلامَك يا خَيْرَةُ ؟

فقال : كَلَّا يا أُمَّاهُ ...

لقد تَرَكْتُ ذلك لَكِ لِتَخْتارِي له مِن الأسْماءِ ما تَشائِين.

فقالت : نُسَمّيه - علَى بَرَكَةِ اللهِ - الـحَسَنَ

ثـم رَفَعَتْ يَدَيْها ودَعَتْ له بِصالِحِ الدُّعاء.

* * *

لكِنَّ الفَرْحَةَ بالـحَسَنِ لم تَقْتَصِرْ علَى بَيْتِ أُمِّ المؤمنين أُمِّ سَلَمَةَ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْها ، وإنَّما شارَكَها فيها بَيْتٌ آخَرُ مِنْ بيوتِ المدينَةِ

هُوَ بَيْتُ الصّحابِيِّ الجَليلِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ كاتِبِ وَحْيِ رسول اللهِ صلّى اللهُ عَليْهِ وسَلّمْ.

ذلِك أَنَّ « يَسَاراً » والِدَ الصَّبِيِّ كان مَوْلىً لَهُ أَيْضاً ...

وكان مِنْ آثَرِ (1) النَّاسِ عِنْدَه وأَحَبِّهِم إليه .

* * *

دَرَجَ (2) الـحَسَنُ بْنُ يَسارٍ « الذي عُرِفَ فيما بَعْدُ بالـحَسَن البصْرِيِّ » في بيتٍ من بُيوتِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم ...

ورُبِّي في حِجْرِ زَوْجَةٍ من زَوْجاتِ النَّبِيِّ هِيَ هِنْدُ بِنْتُ سُهَيْلٍ الَمعْروفَةُ بِأُمِّ سَلَمَة .

وأُمُّ سَلَمَةَ - إن كنتَ لا تَعْلَمُ - كانَتْ من أَكْمَلِ نِساءِ العَرَبِ عَقْلاً، وأَوفَرهِنَّ (3) فَضْلاً ، وَأَشَدِّهِنَّ حَزْماً .

كما كانت مِنْ أَوْسَعِ زَوْجاتِ الرسولِ الكريـمِ عِلْماً وأَكْثَرِهِنَّ رِوايَةً عنه ...



#ff0000

(1) من آثر الناس عنده : من أعزِّ الناس وأكرمهم عنده.
(2) درج : نَشأَ وترعرع .
(3) أوفرهن : أكثرهن .




- 3 -

محمد بن دوهان
11-16-2009, 12:53 PM
حيث رَوَتْ عن النِّبيِّ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ ثَلاثَمِائَةٍ وَسَبْعَة ً وثمانين حَدِيثاً ...

وكانت إلَى ذلك كُلِّه منَ النِّساءِ القَليلات النّادِرات ِ اللَّواتِي يَكْتُبْنَ في الـجَاهِلِيَّةِ ...

ولم تَقِفْ صِلَةُ الصَّبِيِّ الـمَحْظُوظِ بِأُمِّ المؤمنين أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ هذا الـحَدِّ ...

وإنَّما امْتَدَّتْ إلى أَبْعَدَ مِنْ ذلِكَ ...

فكَثيراً ما كانَتْ « خَيْرَةُ » أُمُّ الـحَسَن ِ تَخْرُجُ من ا لبَيْتِ لِقَضاءِ بَعْض ِ حاجاتِ أُمِّ المؤمنينَ ، فكان الطِّفْلُ الرَّضيعُ يَبْكِي مِنْ جُوعِه ، ويَشْتَدُّ بُكاؤه فَتَأْخُذُه أُمُّ سَلَمَةَ إلَى حِـجْرِها ، وتُلقِمُه (1) ثَدْيَها لِتُصَبِّرَه به وتُعَلِّلَه (2) عَنْ غِيابِ أُمِّه ..


#ff0000

(1) تلقمه ثديها : تضع ثديها في فمه .
(2) تعلله : تشغله .


- 4 -

ابو شامه
11-16-2009, 01:48 PM
يعطيك العافيه

محمد بن دوهان
11-17-2009, 01:46 PM
عافاك وسلمك الله من كل شر أخي أبو وليد ..

وأدامك بالصحة والعافية وبستره وعفوه ورضوانه .

محمد بن دوهان
11-17-2009, 01:57 PM
فكانت لِشِدّةِ حُبِّها إيَّاه يَدُرُّ ثَدْيُها لَبَناً سائِغاً في فَمِه فَيَرْضَعُه الصَّبيُّ ويَسْكُتُ عَلَيْه.

وبذلك غَدَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أُماًّ لِلْحَسَنِ مِنْ جِهتَيْن:

فهِي أُمُّه بِوَصْفِه أَحَدَ المُؤْمِنين ...

وهِيَ أُمُّه من الرّضَاعِ أيْضاً ...


* * *

وقد أَتاحَتْ الصِّلاتُ الوَاشِجَةُ (1) بَيْنَ أُمَّهاتِ المؤْمنين ، وقُرْبُ بُيوتِ بَعْضِهِنَّ مِنْ بَعْضِ لِلْغُلام السَّعيد أَنْ يَتَردَّدَ عَلَى هذِهٍ البيوتِ كلِّها ...

وأن ْ يَتَخَلَّقَ بأَخْلاقِ رَبّاتِها (2) جميعاً ...
وأنْ يَهْتَدِيَ بَهَدْيِهِنَّ ...

وقد كان - كـما يـُحَدِّثُ عن نَفْسِه - يَـمْلأُ هذه البيوتَ بِـحَرَكَتِه الدَّائِبَةِ ، ويُتْرِعُها بِلَعبِه النَّشيطِ ...


#ff0000

(1) الصلات الواشجة : الصلات الوثيقة المتينة.
(2) رباتها : صاحباتها .


- 5 -

محمد بن دوهان
11-23-2009, 10:59 PM
حتّى إنَّه كان يَنَالُ سُقوفَ بيوتِ أُمَّهاتِ المؤمنينَ بيَديْهِ وهو يَقْفِزُ فِيها قَفْزاً .

* * *

ظَلَّ الحَسَنُ يَتَقَلَّبُ في هذه الأجواء ِ العَبِقَةِ (1) بِطُيوبِ النُّبوَّةِ المُتَألِّقَةِ (2) بِسَناها ...

ويَنْهَلُ من تِلْكَ المَوارِدِ العَذْبَةِ التي حَفَلَتْ بها بُيوتُ أُمَّهاتِ المُؤمنين ...

ويَتَتَلْمَذُ عَلَى أَيْدِي كِبارِ الصَّحابَةِ في مَسْجِدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ...

حَيْثُ رَوَى عَنْ عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ ، وَعليِّ بن ِ أبي طالِبٍ ، وأبي موسَى الأَشْعَرِيَّ ، وَعَبْدِاللهِ بنِ عُمَرَ، وعَبدِاللهِ بْنِ عَبَّاسِ، وأَنَسِ بنِ مالكٍ ، وجابِرِ بنِ عبدِاللهِ وغيرهِم وغيرهم رضِي اللهُ عَنْهم أَجْمَعِين.

لكنَّه أولِعَ بأميرِ المُؤمِنين عليِّ بن ِ أبي طالِبٍ رَضِيَ الله ُ عنه.


#ff0000

(1) العبقة : العطرة
(2) المتألقة : الملتمعة.

- 6 -

فواز الشويكي
11-24-2009, 10:56 AM
رحمة الله ورحم جميع الصحابة رضوان الله عليهم ,,,,,, حملوا الرساله وبلغوها للامه,,, وكم يحزن تطاول البعض عليهم !!!!!!!

محمد بن دوهان
03-21-2010, 03:01 AM
الأخ العزيز أبو أحمد أشكر لك مرورك العطر وتقبل الله منا ومنك صالح الدعاء ووفقنا لمرضاته وستره في الدنيا والآخرة ، ولم يتطاول عليهم سوى جاهل أو غر أو ظالمٌ ظلم نفسه ، فنعوذ بالله وإياكم أن نكون من الجاهلين ، ويكفينا من ذنوبنا ما الله به عليم ، فنستغفره ونتوب إليه حتى يرضى عنا وإياكم أجمعين .
#2600ff

ابنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه .

فقد راعَه مِنْهُ صَلابَتُه في دِينِه ، وإحْسانُه لِعِبادَتِه ، وزَهادَتُه بِزِينَةِ الدُّنيا وزُخْرُفِها ...

وخَلَبَه ( 1 ) مِنْهُ بَيَانُه المُشْرِقُ ، وحِكْمَتُه البالِغَةُ وأَقْوالُه الجَامِعَةُ ، وعِظاتُه التي تَهُزُّ القُلوبَ هزّاً .

فَتَخَلَّق َ بأَخْلاقِه في التُّقَى والعِبادَةِ ...

ونَسَجَ علَى مِنْوالِهِ ( 2 ) في البَيَانِ والفَصاحَةِ ...

ولما بَلَغَ الـحَسَن ُ أرْبَعَة َ عَشَرَ ربيعاً مِنْ عُمُرِه ، ودَخَل َ في مَداخِل ِ الرِّجال ِ انْتَقَل َ مع أَبَوَيْه إلَى البَصْرَةٍ واستَقَرَّ فيها مَع َ أُسْرَتِه .

ومِنْ هُنا نُسِبَ الـحَسَن ُ إلَى البَصْرَةِ ...

وعُرِف َ بَيْنَ النَّاس ِ بالـحَسَنِ البصرِيِّ ...


#ff0000
(1) خلبَه : فتنه وسحر .
(2) نسج على منواله: سار على طريقته .






- 7 -

محمد بن دوهان
05-16-2010, 09:59 PM
كانَتٍ البَصْرَةُ يِوْمَ أَمَّها الحَسَنُ قَلْعَةً من أَكْبَرْ قِلاع ِ العِلْم ٍ في دَوْلَةِ الإسْلامِ ...

وكان مَسْجِدُها العظيُ يـموجُ بِـمَنِ أرْتـَحَل َ إليـها مِنْ كِبارِ الصَّحابَةِ ، وجِلَّةِ التَّابعين ...

وكانت حَلَقاتُ العِلْـمِ على اخْتِلاف ِ أَلْوانِـها تِعْمُرُ باحات ِ الـمَمْجِدِ ومُصَلَّاه .

وقد لَزِمَ الـحَسَنُ الـمَسْجِدَ وانْقَطَعَ إلَى حَلْقَةِ عبدِ اللهِ بن ِ عَبَّاس ِ حَبْرِ أُمَّةِ مُحَمّدٍ (1) ، وأَخَذَ عنه التفسيرَ والحديثَ والقِراءات .

كما أخَذَ عنه وعن غَيْرِه الفِقْهَ واللُّغَةَ والأَدَبَ وغَيْرَها وغَيْرَها ...

حَتَّى غَدَا عالـِماً جامعاً فقيهاً ثِقَةً (2) .

فأقْبَلَ النَّاسُ عَليْه يَنًهَلونَ من عِلْمِه الغَزيرٍ ...
#ff0000
(1) حبر أمَّة محمد : عالـِمُ أمَّة محمد وعابُدها ,
(2) الثقة : من يعتمد عليه ويوثق بدينه وعلمه .






- 8 -

محمد بن دوهان
01-20-2011, 01:46 AM
والْتَفُّوا حَوْلَه يُصيخون (1) إلَى مَواعِظِه التي تَسْتَلينُ القُلوبَ القاسِيَةَ ، وتَسْتَدِر ُّ الدُّموعَ العاصِيَةَ .

ويَعون (2) حِكْمَتَه التي تَـخْلِبُ الأَلْبابَ ...

وَيَتَأَسّوْن بِسيرتِه التي كانَتْ أَطْيَبَ من نَشْرِ الـمِسْك (3) ...

* * *
ولقد انْتَشَر َ أمْرُ الـحَسَنِ البصْرِيِّ في البِلادِ وفشا ذِكْرُه (4) بَيْنَ العِباد ... فَـجَعَل الـخُلفـاءُ والأُمراءُ يَتَساءَلون عَنْهُ ويَتَسَقَّطون (5) أَخْباره ...

حَدَّث خالِدُ بنُ صَفوان (6) قال :

_____________________________

( 1 ) يصيخون : ينصتون.
( 2 ) يَعُون حكمته : يحفظون حكمَتَه ويَتَدبَّرونها.
( 3 ) نشر المسك : ريح المسك.
( 4 ) فشا ذكره : شاع ذكره وانتشر.
( 5 ) يتسقطون أخباره : يتتبعون أخبارهز
( 6 ) خالد بن صفوان : من فصـحاء العرب جالس عمر بن عبدالعزيز وهشام بن عبدالملك وعاش حتى أدرك السفاح العباسي وحظي عنده .










- 9 -

محمد بن دوهان
01-20-2011, 01:49 AM
لَقيتُ مَسْلَـمَةَ بنَ عبدِ المَلِكِ (1) في الحِيرَةِ(2) فقالَ لي :

أَخْبِرْنِـي يا خالِدُ عَنْ حَسَنِ البَصْرَةِ فإِنّي أَظُنَّ أَنَّكَ تَعْرِفُ مِنْ أَمْرِهِ ما لا يَعْرفُ سِواكَ .

فقلت : أَصْلَحَ اللهُ الأميرَ ...
أنا خَيْرُ مَنْ يُخْبِرك عَنْه بِعِلْمٍ ...
فأنا جارُه في بَيْتِه وجَليسُه في مَـجْلِسِه ، وأَعْلَمُ أَهْلِ البَصْرَةِ به .
فقال : هاتِ ما عِنْدَك .
فقلت : إنَّه امرُؤٌ سَريرَتُه كَعَلانِيَتِه ...
وقَوْلُهُ كَفِعْلِه ...
إذا أَمَرَ بِـمَـعْروفٍ كان أَعْـمَلَ الناسِ بِه ...
_____________________________
( 1 ) مسلمة بن عبدالملك : أميرٌ من أبطالِ بني أميّة ، غزا القسطنطينية ، وبنى فيها مسجد مسلمة .
( 2 ) بلدة قديمة في العراق على بعد ثلاثة أميال من الكوفة اندثرت ولم يبق لها وجود اليوم .










- 10 -

محمد بن دوهان
01-20-2011, 02:14 AM
وإذا نَـهَى عن مُنْكَرٍ كان أَتْرَكَ الناسِ لَه ...
ولقد رَأَيْتُه مُسْتَغْنِياً عن النَّاسِ زاهِداً بما في أَيْديهم ...
ورأَيْتُ الناس مُحْتاجين إليه طالِبين ما عِنْدَه ...
فقال مَسْلَمَةُ : حَسْبُكَ (1) يا خَالِدُ حَسْبُك ! !
كَيْفَ يَضِلُّ قَوْمٌ فيهِم مِثْلُ هذا ! ؟ .

* * *
ولَمَّا وَلِيَ الحَجّاجُ بنُ يوسُفَ الثَّقَفِيُّ العِراقَ وطَغَى في ولايَتِه وتَجَبَّر ...
كان الحَسَنُ البَصْرِيُّ أَحَدَ الرجالِ القلائِلِ الذين تَصَدَّوْا لِطُغْيانِه (2) وجَهَروا بَيْنَ الناسِ بِسوءِ أفْعالِه ، وصَدَعُوا بِكَلِمَةٍ الحَقِّ (3) في وَجْهِهِ .
_____________________________
( 1 ) حسبك : يكفيك .
( 2 ) تصدوا لطغيانه : ناهضوا طغيانه وعارضوه.
( 3 ) صَدَعوا بكلمة الحق : جهروا بكلمة الحق.










- 11 -

محمد بن دوهان
01-21-2011, 01:22 AM
مِنْ ذلِك أَنَّ الحجَّاجَ بَنَى لِنَفْسِه بناءً في وَاسِطَ(1).
فلَـمَّا فَرَغَ منه نادَى في النَّاسش أَنْ يَخْرُجوا لِلْفُرْجَةِ عليه والدُّعاءِ له بالبَرَكَةِ ...
فلـم يَشَأ الـحَسَنُ أَنْ يُفَوِّتض عَلى نَفْسِهِ فُرْصَةَ اجْتِـماعِ النَّاسِ هذه ...
فَـخَرَجَ إليهم لِيَعِظَهُم ويُذَكِّرَهُم ويُزِهِّدَهُم بعَرَضِ الدُّنيا، ويُرَغِّبَهُم بما عِنْد اللهِ عَزَّ وجَلَّ ...
وَلَمَّا بَلَغَ المكانَ، ونظُرَ إلَى جُموعِ النَّاسِ وهي تَطوفُ بالقصرِ المُنيفِ مَأْخُوذَةً بِرَوْعَةِ بِنَائِهِ، مَدْهوشَةً بِسَعَةِ أَرْجَائِه(2) مَشْدُودَةً إلَى بَراعَةِ زَخارفِهِ ...

وقَفَ فيهم خَطيباً، وكان في جُملَةِ ما قاله:

لقد نَظَرْنا فيما ابْتَنَى أخْبَثُ الأخْبَثينَ فَوَجَدْنا أنَ فِرْعَوْنَ شَيَّدَا أعظَمَ مِمَّا شَيَّدَ ، وبَنَى أَعْلَى مِمَّا بَنَى ...
_____________________________
( 1 ) واسط: مدينة متوسطة بين البصرة والكوفة.
( 2 ) أرجائه : نواحيه.










- 12 -

متعب عبدالهادي الفققي
01-21-2011, 03:33 PM
دائما نتابع جهودك يا ابا عبد العزيز الله يوفقك ويرحم حسن البصري
فكيف لنا نريد من رجال هذا القرن الانصاف وقرن الحجاج ليسى ببعيد عن قرن النبوه والسلف وهو يبني الصروح ويفتتن في تسلطه على رقاب الناس

محمد بن دوهان
01-22-2011, 12:20 AM
لم يترك الله لنا مثلاً ولا عبرة في عباده إلا أوردها لنا في سيرة من سبقنا يا أبو عبدالله ولكن الحكيم من إتعظ من غيره والبليد من يتعظ بنفسه وما تقترف يمينه ..

فبارك الله فيك يا أبو عبدالله ونحن على ما تحب إن شاء الله تعالى سنكون ..

محمد بن دوهان
01-22-2011, 12:31 AM
ثُمَّ أَهْلَكَ الله فِرْعَوْنَ وَأَتَى عَلَى ما بَنَىَ(1) وشيَّدَ ...

لَيْتَ الحَجَّاجَ يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ السَّماءِ قَدْ مَقَتُوه، وأَنَّ أَهْلَ الأَرْضِ قَدْ غَرُّوه ...

ومضَى يَتَدَفَّقُ عَلَى هذا المِنْوالِ (2) حَتَّى أَشْفَقَ عليه أَحَدُ السَّامِعينَ مِنْ نِقْمَةِ الحجَّاجِ فقال له :

حَسْبُك يا أبا سَعيدٍ ... حَسْبُك

فقالَ له الحسنُ :

لقد أَخَذَ اللهُ المِيثاقَ عَلَى أَهلِ العِلْمِ لَيُبِّينُنَّهُ للنَّاسِ ولا يَكْتُمونَه ...

* * *

وفي اليوم التَّالي دَخَلَ الحجَّاجُ إلَى مَجْلِسِه وهو يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ (3) وقالَ لِجُلَّاسِه :

______________________
( 1 ) أتى ما بنى : دمّرَ ما بَنَى .
( 2 ) على هذا المنوال : على هذا الإسلوب.
( 3 ) يتميز من الغيط : يتقطّع من الغضب.








- 13 -

محمد بن دوهان
01-24-2011, 08:25 PM
تَبّاً لكم وسُحْقاً (1) ...

يقومُ عَبْدٌ من عبيدِ أَهْلِ البَصْرَةِ ويقولُ فِينا ما شاءَ أَنْ يقولَ ، ثُمَّ لا يَجِدُ فيكم مَنْ يَرُدُّه أَوْ يُنْكِرُ عليه ! !

واللهِ لأَسْقِيَنَّكُمْ مِنْ دَمِه يا مَعْشَرَ الجُبَناءِ ...

ثُـمَّ أَمَرَ بالسَّيْفِ والنَّطْعِ (2) فَأُحْضِرا ...

ودَعَا بالجَلَّادِ فَمَثَلَ واقِفاً بَيْنَ يَدَيْه .

ثم وَجّه إلَى الحَسَنِ بَعْضَ شُرَطِه ...

وَأَمَرهُمْ أن يَأْتوه بِه ...

وما هُوَ إلاَّ قليلٌ حتَّى جاءَ الحَسَنُ فَشَخَصَتْ (3) نَحْوَه الأَبصارُ ...

ووَجِفَتْ (4) عليه القُلوبُ ...
_______________________________
(1) تباً لكم: هلاكاً لكم وبُعْداً.
(2) النطع: بساط من جلد يفرش تحت المحكوم عليه بقطع الرأس.
(3) شَخَصْت الأبصار: فتحت العيون.
(4) وجفت القلوب: جفقت القلوب.









- 14 -

محمد بن دوهان
01-30-2011, 01:35 AM
فلَمَّا رأَى الـحَسَنُ السيفَ والنَطْعَ والـجَلَّادَ حَرَّكَ شَفَتَيه ...

ثُمَّ أَقْبَلَ علَى الحجَّاجِ ، وعَلَيه جَلالُ الـمُؤْمِنِ وعِزَّةُ المُسْلِم، ووَقَارُ الدَّاعِيَةِ إلى اللهِ .

فلمَّا رآه الحَجَّاجُ علَى حالِه هذه هابَه أَشَدَّ الهَيْبَةِ وقال له :

ها هُنا يا أبا سَعيد ... ها هُنا ...
ثـم ما زال يُوَّسِّعُ له ويقول :

ها هُنـا ... والنَّاسُ يَنْظُرون إليه في دَهْشَةٍ واسْتِغْرابٍ حَتى أَجْلَسَه علَى فِراشِه .

ولـمَّا أَخَذَ الحَسَنُ مَجْلِسَهُ التَفَتَ إليه الحَجَّاجُ وجَعَلَ يَسْأَله عن بَعْضِ أمورِ الدِّينِ ، والحَسَنُ يُجيبُه عن كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِجَنانِ ثابتٍ ، وبَيانٍ ساحِرٍ ، وعِلْمِ واسِعِ .

فقال له الحَجَّاجُ :









- 15 -

محمد بن دوهان
03-26-2011, 08:31 PM
أَنْتَ سَيِّدُ العُلَماءِ يا أبا سَعيدٍ .
ثم دعا بِغَالِيَةٍ (1) وطَيَّبَ له بِها لِحْيَتَه وَودَّعَه.
ولمَّا خَرَجَ الحَسَنُ من عِنْدِه تَبِعَه حاجِبُ(2) الحَجَّاج وقال له:

يا أبا سَعيدٍ ، لَقدْ دعاك الحَجَّاجِ لِغَيْرِ مافَعَلِ بِكَ وإِنِّي رِأَيْتُكَ عِنْدَما أَقْبَلْتَ ، ورَأَيْتَ السَّيْفَ والنَّطْعَ قَدْ حَرَّكْتَ شَفَتَيْك فماذا قُلْتَ ؟
فقال الحسنُ :
لقد قلت : يا وليَّ نِعْمَتي ومَلاذِي عِنْدَ كُرْبَتي اجْعَلْ نِقْمَتَه بَرْداً وسَلاماً عليَّ كما جَعَلْتَ النَّارَ بَرْداً وسلاماً علَى إِبراهيم

* * *
ولقَد كَثُرتْ مَواقِفً الحَسَنِ البَصْريِّ هذه
______________________
( 1 ) الغالية : أنواع من الطيب تُمْزَجُ ويُتطيب بهاز
( 2 ) حاجِبُ الحجاج : بَوَّاب الحجاج.









- 16 -

محمد بن دوهان
04-21-2011, 06:56 PM
مع الوُلاة والأمَراءِ فكان يَخْرُجُ من كُلٍّ منها عظيماً في أعْيُنِ ذَوي السُّلْطانِ عزيزاً باللهِ، مـَحْفوظاً بِحِفْظِه ...

من ذلِك أَنَّه بَعْد أَن انتَقَلَ الخليفةُ الزَّاهِدُ عُمَرُ ابنُ عبدِ العزيز إلَى جِوار رَبِّه وآلت (1) الخِلافَةُ إلَى يَزيدَ بنِ عَبْدِ المَلِكِ ، ولَّى علَى العِراقِ عُمَرَ بنَ هُبَيْرَةَ الفَزارِيَّ ...

ثُمَّ زادَه بَسْطَةً في السُّلطانِ فأضافَ إليه خُراسَانَ أيْضاً.
وسارَ يزيدُ في النَّاسٍ سيرَةً غَيْرَ سيرَةِ سَلَفِه العَظيمِ ...

فكان يُرْسِلُ إلَى عُمَرَ بنِ هُبَيْرَةَ بالكِتابِ تِلْوَ الكِتابِ ، ويأمُرُه بأنْفاذِ (2) ما فيها ولو كان مُجافِياً لِلحَقِّ أحْياناً ...






______________________
(1) آلت الخلافة إلى فلان: صارت إلأيه وتولاها.
(2) إنفاذ ما فيها : إجراء ما فيها.









- 17 -

محمد بن دوهان
04-21-2011, 08:19 PM
فدعا عُمَرُ بنُ هُبَيْرَةَ كُلاًّ مِنَ الحَسَنِ البصْرِيِّ وعامِرِ بنِ شَرَاحِيلَ المَعْروفِ بالشَّعبْيِّ وقالَ لَهُما :
إنَّ أميرَ المؤمنين يَزيدَ بنَ عبدِ المَلكِ قد اسْتَخْلَفه الله ُ علَى عِبادِه ، وأَوْجَبَ طاعَتَه علَى النَّاسِ.

وقد ولَّانِي ما تَرَوْنَ مِنْ أَمْرِ العِراقِ ثُمَّ زادنِي فَوَلَّانِي فَارسَ

وهو يُرْسِلُ إِلَيَّ أحياناً كُتُباً يَأْمُرني فيها بإِنْفاذِ ما لا أَطْمَئِنُّ إلَى عَدالَتِه

فَهَلْ تَجِدانِ لِي في مُتابَعَتي إيَّاهُ وإِنْفَاذِ أَوامِرِه مَخْرَجاً في الدِّينِ ؟

فَأَجابَ الشَّعبِيُّ جَوَاباً فيه مُلاطَفَةٌ لِلْخَليفَةِ ، ومُسايَرَةٌ لِلْوالِي ...
والحَسَنُ ساكِتٌ ...

فإلْتَفَتَ عُمَرُ بنُ هُبَيْرَةَ إلَى الحَسَنِ وقال:

وما تقولُ أَنْتَ يا أبا سَعيدٍ ؟












- 19 -

محمد بن دوهان
04-21-2011, 08:33 PM
فقال : يا بْنَ هُبَيْرَةَ خَفِ اللهَ في يَزيدَ ولاَ تَخَفْ يزيدَ في اللهِ ...

واعْلَمْ أنَّ الله جَلَّ وعَزَّ يَمْنَعُكَ (1) من يَزيدَ ، وأن يزيد لا يَمْنَعُكَ من اللهِ ...

يا بْنَ هُبَيْرَةَ إنَّه يوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ بك مَلَكٌ غَليظٌ شديدٌ لا يَعْصِي اللهَ ما أمَرَه، فيُزِيَلك عَنْ سَريرِك هذا، ويَنْقُلَكَ مِنْ سَعَةِ قَصْرِكَ إلَى ضيقِ قَبرِك ...

حَيْثُ لا تَجِدُ هناك يَزيدَ ، وإنَّما تَجِدُ عَملك الذي خالَفْتَ فيه رَبَّ يزيدَ ...

يا بْنَ هُبَيْرَةَ إنَّك إنْ تَكُ مَعَ اللهِ تَعالى وفي طاعَتِهِ يَكْفِكَ (2) بائِقَةَ يزيدَ في مَعْصِيَةِ اللهِ تَعالَى، فَإِنَّ









____________________________
(1) يمنعك من يزيد: يحميك من يزيد .
(2) يكفيك بائقة يزيد : يمنع عنك أذَى يزيد .










- 20 -

محمد بن دوهان
04-21-2011, 08:55 PM
اللهَ يَكِلُكَ (1) إلَى يزيدَ .

واعْلَمْ يا بْن هُبَيْرَةَ أَنَّه لا طاعَةَ لِمَخْلوقِ كائِناً مَنْ كان في مَعْصِيَةِ الخالِقِ عَزَّ وجَلَّ ...

فَبَكَى عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ حَتَّى بَلَّلَتْ دموعُه لِحْيَتَه ...
ومال عَنِ الشَّعْبِيِّ إلَى الحَسَنِ ...

وبالَغَ في إِعْظامِه وإكْرامِه ...

فلمَّا خَرَجا مِنْ عِنْدِه تَوَجَّها إلَى المَسْجِدِ ، فاجْتَمَعَ عليهما النَّاسُ وجَعلُوا يَسْأَلونَهما عَنْ خَبَرِهما مَعَ أميرِ العِراقَينِ (2) .

فالْتَفَتَ الشَّعبِيُّ إلَيهم وقال :
أَيُّها النَّاسُ من اسْتَطاعَ مِنكُم أَنْ يُؤِثرَ (3) اللهَ عَزَّ وجَلَّ عَلَى خَلْقِه في كُلِّ مقام فَلْيَفْعَلْ .

فَوّالَّذي نَفْسي بِيَدِه ما قال الحَسَنُ لِعُمَرَ بنِ









______________________________________
(1) يكلك : يتركك .
(2) العراقان : الكوفة والبصرة.
(3) يؤثر : يفضل.










- 21 -

متعب عبدالهادي الفققي
08-28-2011, 09:01 PM
تسلم يا بو عبدالعزيز على النقل الجميل انت تشجعنا على القراءه والمعرفه تصدق حنا عندما نقراء من خلال الشبكه اسهل لان الموضوع منتقى وجاهز رعاك الله يا ابو عزوز .