المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : :: الخيام السود في بلاد العرب ::


محمد بن دوهان
05-15-2009, 09:15 PM
http://www.neelwafurat.com/images/lb/abookstore/covers/normal/103/103434.gif

الخِيام السُّوْد
في بلاد العربْ

قصّة ضابط عاش ربع قرن مع عشائر الشام والحجاز

تَرْجَمَة
الأستاذ عبدالهادي عبلة

تقديم
أحمد غسان سبانو

تأليف
كَارْل الرضوان

محمد بن دوهان
05-15-2009, 09:41 PM
مقدمة

الصـحراء بـحر الرمال الوهاجـة بعبع الـحضري الـمخيف وعالـم بلا عودة للـجاهل في فـهـم أسرارها وكشف ألغازها.

الصـحراء تكـاد تكون بالنسبة للـحضري مرادفة للـموت والفناء ، يلفـهـا الغـموض وتذروهـا الريـاح ، يشـح ماؤهـا وتـموت نباتاتـها ، وتتوهـج لظـى في أشـهـر الصيف ، وتغوص بركاً في فصل الشتاء ، يستوي برد ليلـها الصيفي مع برد نـهارها الشتوي.

أما مَنْ عَبَـرها مرة فأخذ عنـها بعض أسرارها فإن للصـحراء عنده معنـى آخر .

إنـها الـحرّية بذاتـها ، إنـها سكونه الأبديّ وآفاق الإنسان الواسـعة اللامتناهية ، إنـها السـحر بعينه ، إنـها الصفاء والـحب والقوة بكل ما في هذه الكلـمات من معانٍ .

إنـها الـمدرسة الكبيرة والـجهاد الأكـبر ، ففي كل ساعة فيـها اختبار لقدرة الإنسان وجلده وسرعة بديـهته وقياس لـمقدرته على التكيف مع الـحياة بشتـى صنوفـها وأطوارها.

والبدوي ابن الصـحراء يعيش فيـها على فطرته « بـجلد وصـبر يتـحـمل الـحَر والقَر والـجوع والظـمأ والتعب والراحة والعمل والبطالة وكثرة الـمشي أو قلته بنفس واحدة دون تبرم أو عـجز »

وعلى الرغـم من قساوة الصـحراء فإن لـها سـحراً لا يعرفه إلا من عــاش فيـها.

هذا السـحر يدفع صاحبه بـهوى مـجنون إلى العودة للصـحراء للتمتع بسـحرها وجـمالها وصفائـها.

ومعرفتنا نـحن سكان الـحضر بالبدوي معرفة سطـحية تبدوا كأحلام أو كوابيـس بعيدة تـخفي من أعيننا عالـماً قائـماً بذاته بكل أبعاده ومضامينه ومفاهيـمه ، مع أن أصل نوعنا العربي السامي بدوي انطلق من شبه الـجزيرة العربية في موجات هـجرة متلاحقة لا تنقطع ما دام هناك فـجر يسطع وقـمر يغيب في إطار وشكل واحد مستمر ومتصل .

يبدأ في غياهب الصـحراء ، يدفعه لـهيبـها نـحو الـماء والـخضرة ، فيقترب منـها ليذوق طعم راحة وبـحبوحة العيش ، فيبقى لا يفارق الـخضرة والـماء ، ثـم يدخل الـمرحلة الأخيرة ليستقر في ضاحية حضر مستعداً للاندمـاج في حيـــاة الـحضر.

لذلك قسم البدو إلى ثلاثة أقسام : الأول : هـم العشائر الـجمّــالة أهل الإبـل ذوو النـجعة البعيدة التـي قد تستـمر 500 - 600 كـم ، فيتـخذون بيوت الشعر يتنقلون ما بين الصـحراء العربية وبادية الشام حتـى الفرات جنوباً وشرقاً وغرباً عبر السعودية والأردن وسـوريا والعراق.

والقسـم الثاني العشائـر الغنّامة أو « نصف الرُّحَّـل » فنـجعتـهم مـحدودة تناسب قدرة أغنامـهم ، وقد يمتلكون الأرض ليزرعوها ، وماشيتـهم إمّا لـهم وحدهـم أو لأهل الـمدن الـمجاورة يشاركونـهم في تربيتـها .

والقسـم الثالـث : هـم العشائـر الـمتـحضرة أو اهـل الدور وهـم الأعـراب الفلاحـون « الفلاليـح » الذين صاروا أهل قرى وبيوت ، وعكفوا على الـحرث والزرع.

والبدوي عـموماً يـحب الغزو لأنه الطريق الأسرع للـثروة، ولأنه مـيزان الفروسية وإثبات القدرة والـحيوية، فالغزو عند البدوي لا يعنـي ما يعـنيه عند أهل الـحضر من نـهب وسرقة ، إنـما يعنـي بالنسبة له إثبات وجود واستعراض قوى .

واقتصاد البـدوي يعتـمد على الإبـل ، فـهي نقـوده ومـهره وحلّـه وترحـاله ، يستفيد منـها في الانتقال والـحمل ، ويستفيد من لـحمـها ووبرها ولبنـها وروثـها .

محمد بن دوهان
05-16-2009, 02:20 AM
وهو بنفس الوقت يسعى ويشقى في سبيلها ، فإن َّ أول ما ينشده الـماء والـخضرة ، وبسبب الـماء والـخضرة يتـم الانتـجاع والغزو والاقتتال ، وتوزيع مناطق الصـحراء بين العشائر ، وتنظيـم الارتـحال بـما يناسب فصول السنة ومقدار الـمياه وتوزيع الآبار التـي تنتشر في الصـحراء ، بدءً من فـجر التاريـخ حتـى العصـر الرومــاني فالإسلامي فالعثـماني فالـعربي.

ونتيـجةً لذلك يقوم البدو بالـمقايضة والـمتاجرة مع سكان الأرياف والـمدن ضـمن عادات وشروط معينة.

فبعض العشائر اعتادت أن يزورهـا التـاجر لـمناطق مـحددة في أوقـات مـحددة ، وبعضـها «وعلى الأخص نصف الرُّحَّـل » تـرد الـمناطق الـحضرية لتبيع الـحليب والبيض والدجاج ، ولا يـجوز العكـس في عرف البدوي.

وهناك مصادر أخرى لرجـل البدو هو الغـزو كـما قلنـا . كـذلك للبـدو - وحسـب الـمناطق - أخذ الـخوة سواء من العشائـر البدويـة الأضعـف أو من القـرى والـمزارع الـمجاورة.

وللبـدو حسب الـمناطق - أيضاً - وحسب قوة العشـيرة - الـحق في قبض العمرة وذلك من قوافل الـحـج والـحفاظ على سلامتـهم ومـمتلكاتـهم ، ولدلالتـهم على الطريق ومصـادر الـمياه ، ولكـن إذا لـم يتـم دفع العـمرة فإن مصير القافلة النـهب والسلب والقتـل.

وقد نقل إلينـا الـمؤرخـون والرحالة والـحـجاج الكثير من الـحوادث الـمشابـهة ، لعل أكبرها ما وصفه لنا فولين في رحلته إلى سوريـا ولبنان وفلسطـين في القرن الثـامن عشر.

وفي حالة فقد الـماء والعشب في السنوات العـجاف فإن البدوي يتـحول إلى غازٍ على الـمدن والأريـاف وعلى القوافل ، وفي أوائل القـرن العشـرين أخذ يـهاجـم خطوط السكك الـحديدية ومـحطات النفط التـي بنت منشآتـها كـحصون قوية لـها أبواب وأبراج حديدية.

وسكان البادية في شـرقنا العربـي في السعـودية والأردن وسـوريا والعــراق يشكلون نسة عالية لا بأس بـها من عدد السكان ، مع أنه لـم يـجر قط تعداد لـهم .

ولسكان البادية منذ أقدم العصور وحتـى وقتنا الـحاضر تأثير في الـحياة السياسية لـمنطقتنا ،ولروابطـهم العشائرية أيضـاً دور كـبير ، لذلك نـجد السلطات تتسابق لكسب ودهـم منذ أقدم العصور وحتـى العصور الإسلامية ( الأمويين والعباسيين ) ، ثـم الـمماليك والأترك ، وحتـى الإنكليز والألـمان والفرنسيين.

وكان من ذلك أن أصدرت سلطات الإحتلال في كل من سورية والعـراق والأردن قوانـين خاصة بالبدو أغدقت فيـها ميزات وأحكاماً خاصة بـهم وتسابقت في كسب ودّهـم.

ويأتي كابنا هذا «الـخيام السود» سلسلة من هذا التسابق ، فالكتاب يصف زيارة قام بـها ضابط الـماني قبيل الـحرب العالـمية الأولى وأثناءها وبعدها ليكسب ودّ أكبر عشائر الـمنطقة العربية ألا وهي عشيرة الرولا بعد أن سبقت زيارة مؤلف هذا الكتاب لـم تسفر عن نتيـجة فقد سبقه إليـها وإلى كسب ودها لورنـس الإنكليزي ، وحاربت الرولا معه ، وكان لـها فتـح شرقي الأردن وسوريا ودخول دمشق.

والرولا التي أخذت اسـما ً من الروال ، وهو لغةً : اللعـاب . والـمرول الرجل الكثير اللعـاب . ولعل أساس الكلـمة أنـهم قوم مرولون (1).

والروله من عشيرة عنزة بن وائل من ضنا مسلـم ومن بطن الـجلاس ، وهـم أكبر عشائر عنزة عدداً وأعظـمها قوة ، وهـي من البـدو الرحـل أصـحاب الأبــاعر.

وهـي من أكبر العشائـر نفوذاً في شرقنا العربـي بسبب قوتـها وكثرة رجالـها وتأثـيرها في الـحياة السياسية ، ومناصـرتـها للورنـس الإنكلـيزي ، ومـحاربتـها للأتراك .

وقد تقوت أكثر أيضاً بـمصاهرتـها لآل سعود ، تلك الـمصاهرة التـي تـمت بين آل سعود وآل شعلان الذين استلموا مشيـخة الرولا لأكثر من مائة عام بعد أن أخذوهـا عن شيـخـها السابق الدريعي.

وقد اختلف الباحثون في تقدير عددها ، فـمنـهم من يقول خمسة آلاف بيت ومئة الف بعير وخمسة آلاف شاة ومئة فرس ، ومنـهم من يقول أكثر أو أقـل ، وقد قدر مؤلف هذا الكتاب ان عدد الأبعرة في مسـيرة العشيرة نـحو الشـمال كانت تضـم ستمئة الف بعير.

وقد استلـم مشيـخة القبيلة بعد الدريعي الـمشهور فيصل الشعلان ثـم هزاع بن نايف الشعلان ثـم سلطان بن أحمد بن منيف الشعلان ثـم خلفه فـهد بن هـزاع الشعلان ثـم نوري الشعلان ، وهـو من أقوى شـخصيات الرولا وأكثر مشايـخـهم قوة وجبروتاً وطول مقام ( 50عاماً ) ثـم خلفه فواز حفيده.

والرولة ينزلون في نـجد والشـام حول بـئر القـمة وعين الـحياة والنركلس حسية الـجولان وغوطة دمشق ومنطقة الـخيرات في الـحماد والقريتين من مـحافظة حـمص ودرعا والزوية ، ويقضون الشتاء في منـحدرات الشرق والـجنوب منجبل عنزة حتى جوار الـجوف .

وينقسـم الرولة إلى بطون والبطون إلى أفـخاذ والأفـخاذ إلى فصائل ، والفصيلة إلى بيوت.

وقد كان مقام نوري الشعلان في دمشق في الصـالـجية ، لـذلك اطلق على الـحي الذي فيه مـنزلة اسـم حي الشعلان ومنزله لا زال قائـماً وفيه أحفاده.

والكتاب يقدم لنا وثيقة مـهـمة عن حياة الصـحراء وعن نـمط عيش البـدوي وطريقة عيشه وما يـهمه وما يغـمّه ، وما يفرحه ومـا يـحزنه ، والكتاب بالاختصار يقدم لنـا الكثير مـما نـجـهله عن صـحرائنا وإخواننا في البادية.

* * *

__________________________________________________ _____________
(1) ومن معانيها روّل الخبزة ترويلاً : آدمـها بالإهالةِ ، أو دلكـها بالسّـمن أو أكثر دسـمـها .. وهو اقـرب إلى الأصل في التسمية.

محمد بن دوهان
05-16-2009, 04:49 PM
بين يدي الكتاب

ينقل هذا الكتاب الرومانتيكي الغريب القراء من تعقيدات الـحضارة الـحديثة إلى الـحياة الـهادئة والـخطيرة في الصـحراء العربية وسكانـها البدو.

كارل رضوان أحد الرجال القلائل الذين اخترقوا الصـحراء الـمجهولة في شـمال الـجزيرة العربية ، وعاش مع البدو الـمحاربين ، ليس كغريب عنـهم بل كفرد متـميز بأخوة الدم مع شيوخـهم .

واشترك في هجرة أكثر من ثلاثين ألف شـخص ومئات الـخيام وآلاف الـجمال بـحثـاً عن الـماء والرعي .

كما اشترك في معاناة الصراع الأبدي ضد الـجوع والـجفاف ، وقد تكشف له من خلال ذلك الـمغامرة والـحب والصداقة والشـجاعة في الـحياة البدوية .

وقد وصفت مـجلة «السباكتاتير» كتاب (الـخيام السود في الـجزيرة العربية)بأنه أصيل ومـمتع ، بينـما وصفته صـحيفة «التايـمز» بأنه «مستنير وحسن الصياغة وتثقيفي».

وكتب السيد ر. ب. كننغـهام غراهـام في صـحيفة «الإبزيرفـر» قائـلاً «إنه يصور أمامك الـحياة العربية الكاملة ووجـهة النظر العربية بوضوح ما نـراه في لـمعان البرق».

محمد بن دوهان
05-16-2009, 07:38 PM
إلى فــارس - صـديـقي الـمخلص

عليـك عـهد الله وأمان الله

ليرقد بسلام

نـم يا سليل الـحرب الـمقدام لا تكترث لـهياج
الرمال الـمتنقلة الـتي تتلاطـم حول مرقدك
استرح أيـها الـمحارب السعيد وانس بأمان
تلك الضربة التـي لـم تستطع إحناء رأسك الشـجاع
لأن - في حياتك - في روحك وفي وجـهك
بدا أن هدوءاً سكن حكمتنا
وترعرعت الفضائل الـمحمودة كـما لو أنـها تبـجل
فيك ذرية اسـماعيل الـمغبون.
ولكن لو تناثرت أزهار الذكرى
في مروج علياء جنتك
تذكرها تلك الـمرأة الـمشرقة كندى الصباح
التـي مسـحت عينيك بكـمال حبـها
إن تويـما الشـجاعة البراقة العينين
لا تزال تنتظر عند البوابات الذهبية للانضـمام إلى عريسـها.

غومو وليامز

محمد بن دوهان
05-16-2009, 08:00 PM
تقديـم

خلال السنوات الاثنين والعشرين من اختلاطي بالبدو في الـجزيرة العربية - في الترحال والصيد والفروسية والـجوع والولائـم - أقـمت صداقــات رائعة .

وإننـي مـمتنّ للكثير من أصدقاء الصـحراء.

إلى «أمير أرض أجداده» ملك الـجزيرة العربية عبدالعـزيـز بن سعود الوهاب وأمرائه ورؤساء نـجد والـحسا والـجوف والكـف ومـمثلين في دمشـق والقـاهرة ولندن.

إلى الأمير نوري الشعلان وعائلته وقبيلة الرولة للفرص الفريدة التي مكنتني من اكتساب الـمعرفة الدقيقة بالتقــاليد العربيـة والعــادات البدويـة ، والتـجوال في الـمنطقة الـمجـهولة حتـى تفهـمت روح بلادهـم الغامضـة ، وفكـر سـكان خيـام إسـماعيل السود، وهي الفرصة التـي مكنتني من جـمع الـمواد التـي انتـجت هـذا الكتـاب.

إننـي أشعر بالكثيـر من الامتنان للفـكرة التـي اندلعـت في قلبـي من أعـمال ومُـثُل الـمرحومة الليدي آن بلنت التـي ساعدتنـي في متابعة بـحثي عن الـحصـان العـربي الأصيل.

وللسيد و. ك. كيللوغ الذي كرّس مراعيه ومزرعة الـخيول في كاليفورنيا لطلاب تربية الـحيوانات وهبة كافية لتأمين تربية الـخيول العربية الأصيلة.

إلى تشارلز دوثي وهو رحّـالة انـجلترا الكلاسيكي في «جزيرة العرب».

إنني مدين له بأني - من أول أيامي في التيه - نطرت «بروح رقيقة» و «قلب رحيـم» إلى «الصـحراء القاسية» و «عداوات البدو الـمتعصبة» ، وخرجب بالرضـا الكـامل لأننـي عشت بطـمأنينة تـحت خيام بنـي إسـماعيل.

إننـي مدين جداً «للشيـخ موسى الرولي» و(البروفسور أ. موسيل من براغ) لأن منشوراته تـحت رعاية الـجمعية الـجغرافية الأمريكية في نيويـورك مكنتنـي من الاهتـمام الذكي الـجديد برحلاتي في الـحزيرة العربيـة ، وخصوصاً بين قبيلـة الرولـة التـي نعـمنا بعشرتـها (على الرغم من أننـا لـم نلتق أبـداً ) كـأفراد في عائلـة الشيـخ وقبيلته.

كـما أننـي مدين إلى «الكولونيل لورنس العرب» لأنه كان رفيقي الدائـم عـبر صفـحات كتابه خلال رحلاتي الثـماني الخيرة ، وقد حصّـن روحي بـمثال مثابرته الفريد ليـحملني عبر ظروف الصـحراء القاسيـة .لقد قابلت كثيراً من رفاقه وأعدائـه الذين - سواء من أحبّوه أم من خافوه - اتفقـوا على ان «لورنــس» كان أخلـص صديق أتى من أوربا ليدافع عن القضية العربية على الرغـم من أن معظمـهم أسف لأنه لـم يتسن له الوقت ليـحالف ابن سعود.

وعلي أيضاً أن أعبر عن شكري الـخالص للسيد غومـر وليـامز للـمساعدة القيـمة التي قدّمـها لي في تـحضير هذا الكتـاب ، ولقصيدته الـمؤثرة التـي تشكل مقدمة مناسبة لـهذه القصـة .

وشكري الـخالص اخيراً إلى السيد يرايد - هيوز الذي قدمنـي إلى الصـحافة الإنـجليزية وإلى شركة إليفورد الـمحـدودة لإخراجـها الرائع لصـوري البدويـة ، التـي عرضت مؤخـراً وبنـجاح في صالاتـها هاي هولبورن في لندن ، وهو الـمعرض الذي تفضل بافتتاحه السيد رولاند ستور الـحاكـم العسكري في القدس مؤخراً .

وهناك آخرون أرى نفسـي مديناً لـهم ، لأن أصـدقـائي الكثيرين في الـجزيرة العربيـة وفي العالـم الغربي أظهروا تعاطفـهم وقدموا معوناتـهم.

* * *

محمد بن دوهان
05-16-2009, 08:34 PM
مقدمة الـمؤلف

إن رغبتـي في هـذا الكتـاب هي معالـجة الأشياء التـي تـهم الإنسـان بـدلاً من القضايا العلـمية . وإن قصتـي هذه حيكت من نسيـج مغامراتي وخبراتي مع النـاس والـحيوان في البرية.

إن روحي متعلقة بـهذه الصـحراء العربيـة الرومانتيكية. فـهدوء الصـحراء العربيـة وسكونـها يستعبدني - تلك السكينة التـي خيّـمت فوق العالـم في آخر أيـام الـخليفة.

في الصـحراء أتنفس بـحرية وتذهب عنـي أعباء الـحياة الـمتحضرة الـمتراكـمة كـحمل ثقيل ينزاح عن كاهـلي.

وحتـى الآن أندهش حين أفكر بقلة ما يـحتاج إليه الإنسـان ليكون سعيداً ، وكـم يكون الإنسـان حرّاً عندما يقتصر على ضرورات الـحياة.

فرحلاتي إلى الصـحراء وإقامتـي بين العرب لـم يكـن دافعـها الـمطامـح العلميـة، بل إن الـحصان العربي هو حـجر الـمغناطيس. «قالبقع البيضـاء» على الـخارطـة لـم تـجذبنـي كثيراً على الرغـم من اننـي عشت معظـم حياتي في الـمناطق الـمجـهولة تـماماً أو التـي لـم يزرهـا الأوربيون إلا نادراً.

ولـم يكن نداء الـمغامرات التـي قاد خطاي إلى الأجـزاء الأكـثر فقراً من الشرق الأدنى ، ولكنه حب الـخيول ، وخصـوصـاً الـحصـان العربي الرائـع.

لقد كان ولا يزال هيامـي جازفـاً بـهذا الـحيوان النبيـل ، مـما جعلنـي أتمنـى ملاقاته في مراعيه الأصلية ن وأن أتعلـم هناك تاريـخه وأسرار توليده ، ولو كان هناك أي اهتـمام ثانوي فـهو الاطلاع على تـحركات القبائل البدويـة.

وقد تزايد هـذا الافتتان كلـما توغلت حتـى إننـي درسـت الـخصائـص الـجغرافيـة لـمناطق الـمراعي وطرق الترحال ماضيـها التاريـخي وخصائصـها الإنثوغرافية - وهي مواضيع نشرت فيـها في أقطار مـختلفة الـمقالات والـخرائط والـجداول الـخاصة.

الـجزيرة العربية هائلة بشكل يفوق التصور . فـمساحتـها تبلغ نصف مساحة الولايات الـمتحدة الأمريكية. ورحلاتي بالطبع امتدت فوق جزء منـها وهو النـجد الـمرتفع في الوسط الذي يسكنه البدو.

وعلى الرغـم من أننـي لامست البـحر الأحـمر والـخليج العربي اكـثر من مرة، فإننـي لـم أزر الـمناطق الـمعروفة مثل عدن وعـمان ، ناهيك عن مكـة والربـع الـخالي الذي اخترقه لأول مرة شـخصان إنكليزيان ( برترام توماس وسانت جون فيلبي) قبل سنوات قليلة فقط. ولكننـي أدّعي شيئاً واحداً وهو أننـي - خلال إقامتـي في الـجزيرة العربيـة - عشت كلياً كبدوي. لـم أكن أبداً بـحاجة إلى إنكـار جنسـي او معتقدي بين العرب. ولـم أكن ولو لـمرة واحدة موضع سـخريتـهم او احتقارهـم ، كـما أننـي لـم أواجه منـهم أية فظاظة.

والسبب الذي جعلنـي أعيش بينـهم بعلاقـات وثيقـة وأكـون موضـع ثقتـهم الضـمنية يـمكن أن يـجد تفسـيره في أننـي أحـجمت عن التدخـل في شؤونـهم السياسية إلا عندما يطلب منـي إبداء الرأي في الأمور القبلية الداخلية. والأكثر من ذلك أننـي حرصت على الإلتزام بكل عاداتـهم وأهوائـهم وخصوصاً ما يتعلق منـها بالنسـاء. إنـها صارمة ولا يستطيع أي أوربي ان يأمل في كسب ثقة البـدوي الكاملة ما لـم يتقيد بـها تـماماً.

والبدو - كالصـحراء نفسـها - أصـحاب مظاهر بغيضـة عند النظـر إليـهم من الـخارج، ولكـن كلـما اقترب الـمرء منـهم تـحسّـنت معرفتـه بـهم وازدادت دهشته لراحة بالـهم الـهادئة.

والشيء الـمدهش - الذي لـم ينل إعـجابي - هو الإتزان الذي يقود به البدوي عائلته وقطعانه من الواحـات والأراضـي الـمزروعة إلى البرية وعـبر الـمناطق الصـحراوية التـي تبدو قاحلة تـماماً. والسـحابة الأولى التـي تبشر بـهطول الـمطر تغريه تلقائياً إلى مرتفعات الـحماد والصـحراء الصوانية، أو إلى جبال النفود الرمليـة.

وبعد الأمطـار يغـادر غـزاة القطعـان الفرسـان خيامـهم. إنـهم يـخرجـون إلى الـمجـهول وخيولـهم الـحربية مربوطة بـجـمالـهم السريعة. وغالباً ما يقطعـون مسافة ألـف ميل «ويقفون على الطرقات ( كـما يقول الكتـاب الـمقدس ) وينتظرون الغنائـم كعربي في الصـحراء ... ».

ولذلك فإن هدفي في هذا الكتـاب هو أن أروي قصة هـؤلاء الرعــاة الرّحـل والغـزاة والفرسـان وأن أتـحدث عن خبراتي بينـهم.

عـمَّـان - الأردن.

رضوان الرولي

* * *

محمد بن دوهان
05-16-2009, 08:42 PM
#ff0000



القسـمُ الأَول

ورثـة إسـماعيل



#ff0000

سليمان الخرس
05-16-2009, 08:53 PM
مجهود جبار يابو عبدالعزيز
واتمنى ان يحفظ لك وان لاتتناقله الايادي بعدما تعبت يديك بنقله لنا

متابع لاخر حرف

محمد بن دوهان
05-16-2009, 09:18 PM
الفصل الأول

الأمير فواز أمير الرولة الشاب



لوّنت الشـمس الـمشرقة على الـمغيب بألوانـها الرقيقـة روابي جبـل رواك العارية. في الـجنوب الغربي غطّت الـخيـام السود وقطعـان الـجمـال سـهل طريف بعد حصاده القريب. وهرول نـحونا الرجـال الـمسلحون على ظـهور خيولـهم الرشيقـة عندما اقتربت بصـحبة عدة فرسان - ولأول مرة في حياتي - من «الـمنازل» الـمنسوجة من شعر الـماعـز ، ومن مضارب بدو الرولة.

هؤلاء الـحراس الفرسـان الذين أتوا لـملاقاتنـا قادونـا إلى خيـمة عبد عـجوز صبغـها الدخـان . وهنا استقبلنـي الأمـير نـوري الشعلان أمـير القبيـلة ذو اللـحية الرمـادية

وقبل بـدء الـحرب العظـمـى الأولـى بعـامين استدل الأمـير نـوري بـخيمته الـمريـحة مـخبأً وضيعاً لأحـد عبيده ، وأختبأ فيه بعد أن أخطر بنشاط الـمطالبين بالثأر منه وهـم رجال من أهله.

فأثناء الصراع على مشيـخة القبيلة صرع أحد أخوته بيديـه كـما قتل عبيـده أخاً آخر. وهكـذا فإن أبنـاء القتيلين الذين بلغوا سنّ الرشد لـم يكونوا فقط يـحاولون الثأر لـهـما بل انتزاع الـمشيـخة من نوري الشعلان.

وبينـما كان نوري يتـهرب من أعـدائه في القبيـلة كان ابنه الأكبـر نواف مسؤولاً عن قيادة الرولة ضد أعدائـهم الـخارجين. وكـان نوري أبـاً لعائلـة كبيرة ، وكان في الـحقيقة ينسب إليه 82 ولداً 37 منـهم ذكور . وقد مات معظـمـهم تقريباً ميتة طبيعية.

وبعد هذا اللقاء الأول بنوري الشعلان ببضعة أيام قـمت بزيارة لنـواف الـذي نصب خيامه على مسافة مسيرة يوم كامل قرب بحيرات الركبان الـمطرية ، على مسافة مئة وعشرين ميلاً إلى الشرق من دمشـق.

كان نواف يـختلف كل الاختلاف عن والده ، فقد كان يفتقر إلى شـخصية الشيـخ العـجوز القوية. كـما لـم تكن لديه موهبة ليعدّ للـحرب قبيلة كبيرة كالرولة يـملك سبعة آلاف خيـمة وخـمسة وثلاثين ألف نسـمة ، وأكثـر من ثلاثـمئة ألف جمل.

لقد جـمع للتّو مـجـموعة صغيرة اخرى لتدعيـم قواته العاملـة ضد الـجوف ، وهي الواحة الواقعة على الطرف الـجنوبي الشرقي من انـهدام وادي السرحـان العريـض الـخصيب. وكانت قواته قد استولت على بعض الـمراكز الأمامية الأقل تـحصناً .

ولكن هذه النـجاحات لـم تـجلب لنوّاف إلا القليل من رصيـد نواف : فلـم يستطع كسب احترام رجـال قبيلتـه ولا احترام الـمستوطنين الـخاضعين له لكي يدعّـم مركزه. وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الـهجوم على الـجوف كان عكساً للسياسة القبلية. فـمنذ القديـم تـاجر الرَولة مع تلك الواحـة وقايضـوا بـجـمالـهم وصوفـهم وأجبـانـهم وزبدتـهم مقـابل التـمور والشعيـر والـملـح والقـهوة وتـجهيزات الـخيـام وشداد الـجمال والأقـمشة. وفـجأة - وبعكس نوايـا الشيـخ العـجوز - رسـم نواف خطة لاحتكـار هذه التـجارة لنفسـه واحتلال الواحة لكونـها معقلاً استراتيـجياً يسيطر منه على شـمال الـجزيرة العربيـة وطرق القوافـل إلى نـجد.

وعلى مرأى من الـجوف تبدو صـحراء النفود العظيـمة التـي تـمتد أكثر من تلاثـمئة ميل من الشرق إلى الغرب، ونـحو مئتـي ميل من الشـمال إلى الـجنـوب.

فنصفـها الشـمالي الـمسـمى اللآبة يشكل الـمراعي الـحقيقية للـرولة. كـما ان مواطنـها الـحقيقي هناك. والـجزء الـجنوبي تـحت سلطة بدو الشـمّر الذين جعلوا من حايل في الطرف الـجنوبي من النفود مركزاً لتـجارتـهـم.

وقد بقي الشـمّر تـحت حكـم ابن الرشيد حتـى بعد الـحرب ، وهو حاكـم مرتد من عائلة ابن سعود ثار مع حراسه الزنوج ضد أسياده واستولى علـى حايـل.

ولكـن ابن سعـود نـجح في استرداد هذا الـموقع الـهام الذي أمّن له السلطة الـمطلقة في وسط الـجزيرة ( نـجد والقصيـم والـحجاز ).

والـجميع يعرف جـهود ابن سعـود لدمـج كل القبـائـل في وحـدة وطنية وإخضاعه - في الـحملة تلو الـحملة - جـميع الشيوخ والذيـن قـاوموه. والآن أثنـاء إقامتـي الأولى في ارض البدو كان ابن رشيد - هذا الـحاكـم الـمنشق - لا يزال يسيطر على القسـم الأعظـم من داخل الـجزيرة العربية. وقد أصبـح السيد الـمطلق ، مـما جعل اسياده السابقين - عائلة ابن سعود يعيشون في الـمنفى لعدة عقود من السنين، بينـما تـمتع هذا «الأمير الأسود» بالسيـادة على الـمدن والواحـات والكثيـر من القبـائل البدوية في وسط الـجزيرة.

محمد بن دوهان
05-17-2009, 01:56 AM
في تاريـخ الـجزيرة ليس هناك سوى القليل من الإنـجازات التـي تفوق في جسارتـها استرداد ابن سعود - مع حفنة من رجالـه - لعاصمـته الريـاض وإخضاعه لـحايل وشـمّر ، حتـى أصبـح بعد سلسلة من النـجاحات حاكـم الجزيرة الفعلي الذي يتطلع إليه العالـم اليوم بالإعـجاب العـميق.

وفي الفترة التـي أتـحدث عنـها - 1912 - كان نواف بن نوري الشعلان في حرب ضد أعداء الرولة التقليديين وهـم بـدوا شـمّر ، وحاكـمـهـم ابن رشيـد الذي يسيطر على الـجوف .

وكان الاستيلاء على هذه الواحة هدف هذا القتال الطويل الـمرير ، إذ أهدر الكثير من الدماء وحصل كل عام على نصيبه من حياة الرجال.

والآن اقترب نواف كثيراً من هدفه وسرعان ما سقطت الـجوف بين يديه.

كان لنواف ثلاثة أبناء منـهم الأمير الشاب فواز الذي سأبدأ قصتـي معه. إننـي مدين لـهذا الغلام بفضل حياتي مع الرولة كواحد منـهم ، والسـماح لي بزيـارتـهم إحدى عشرة مرة خلال اثنتين وعشرين سنة ومشاركتـهم في الترحـال والصيـد والـحرب، وعبوري الـمتكرر لـمراعيـهم عاماً بعد عام على ظـهور الـخيول أو الـجمال، وقبولي في القبيلة كزعيـم رولي، ومعرفتـهم بي وحبـهـم لي كـما عرفتـهـم وأحببتـهـم.

كان الأمير فواز في الثامنة من العمر. ومع ذلك فقد عرف عنـه بأنه فـارس بارع وصياد ماهـر على الرغـم من أن ساقيه كانتا قصيرتين للتشبث بـجانبـي الفـرس، وكان ذراعاه ضعيفين لـموازنة البندقيـة لفترة طويلة . أمـا القراءة والكتابة وهـي ما يسـميـها العرب «العلوم الدنيوية» فلـم تكن تـهمه أبداً ، فقد آثـر ركوب الـجمال أو الاشتراك فـي الصيـد.

وقـد أخبرتنـي بكل اعتـزاز والدته مشـاعل ، التـي أصيبت بالعمـى ، أن من بشائـر الـخير الـمستقبلية وضع نوري الشعلان للـحام فرسه الـحربية والـخنـجر الفضـي في سرير الصـبـي . وهذا هو نفس الـخنـجر الذي قتل به نوري بالنزال الفردي أحد زعـماء الـمنتفق الثانويين.

بعد ظـهر أحد الأيام كان فواز الصغير ومـجـموعة من أصدقائه الصبية يتدربـون بالـمقاليع ، وهي السلاح الذي قتل به داوود غولياث . كانوا يرمون الـحـجارة الـمسطـحة بدقة مدهشة على الأوتاد الـخشبية الـمعقوفة، التـي يبلغ ارتفاعـها قدماً واحداً من مسافة ثلاثين خطوة. وخرجت من خلف الـخيمة دون أن يراني الصبية. وصادف ان حـجراً أصاب الـهدف بالقرب منـي وارتد من الصقيل فأصابنـي في جبـهتي بين العينين. وقد أصبت بالذهول للـحظة نتيـجة للصدمة لا نتيـجة للضربة نفسـها . وحسبت لأول وهلة أننـي أصبت برصاصة.

وهرع إليّ فواز بغـم فاغر ووجه خائف. ولاحظ الـجرح في جبـهتي وبضع قطرات من الدم على أصابعي التـي ضغطت بـها على جبـهتي أثناء ارتباكي. وعنـدما أخذت الصبـي بين ذراعي ورفعته ضاحكاً ليعلـم ان القضية ليست بالـخطيرة علتْ وجـهه نظرة غاضبة كـما لو أنه أهين. وتـملّص من بين ذراعي ووقف أمامي ثـم نزع كوفيته وعقاله من رأسه تاركاً جدائله الست الـجميلة تسقط على كتفيه وتصل حتـى فـخذيه. وصاح والدموع تنـحدر من عينيه الـجريئتين :«أنا دخيلك إننـي أسلـمك نفسـي بوجه الله : أخبرني عن ثـمن دمك» لـم يبد في صوته أي ندم كـما لـم يعبّر عن أي رغبة في الغفران. كانت كلـماته تـحدياً واضـحاً لأنه اعتقد أننـي سـخرت من عرضه. واندفع قلبـي نـحو هذا الـمخلوق الصغير. لقد أحاط نفسه بـجو من التـحفظ والكبرياء ، ومع ذلك كان من الـمستحيل أن أغضب منه .

ألـم تكن طريقته في التفكير تـختلف كلياً عن طريقة الأووبي ؟ وبدون قصد أثقل دم ضيف والده على ضـميره ولـم يفكر إلا في إرضائي قبل أن تنتشر أخبار هذه الـحادثة.

ولـم يكن من الـمهم كـمية الدم الذي أريق والذي كان في هذه الـحادثة بضغ قطرات، فالشيء الـمهم لديه هو القانون البدوي غير الـمكتوب الذي يضـمن سلامة الغريب وحرمته ولو كان في خيـمة بدوي وضيع. وثـمن دم الضيف ضعف ثـمن من يقتـل في الـحرب: خـمسون جـملاً وأربعة خيول.

كان عليّ أن أبتسـم عندما فكرت في الثـمن الـمقدر لبضعة قطرات من دمي، ولكننـي خارجياً أعدت الوقار إلى وجـهي واستدعيت الأولاد الآخرين والرجـال الذين تـجمعوا حولي ليكونوا شـهوداً ، وقلت للأمير فواز : «لقد حدث ذلك حسب مشيئة الله . إننـي لا أعرف أي ثـمن آخر سوى صداقتك».

وساد الذهول التام لـحظة من الزمن ، وحدق نـحوي بعينين واسعتين ، ومن الـمرجـح ان الأمير فواز لـم يستطع أن يصدّق اننـي - الغريب - أستطيع أن استشـهد بعادة أجداده القديـمة .

وفـجأة رمى الـمقلاع الـمشؤوم وتقدم نـحوي بذراعين مفتوحتين وضـمهـما حول عنقي بتأثير صبياني عندما انـحنيت نـحوه.

وبعاصفة من الـحب البـهيـج ضـممت الصبـي إلى صدري وقبلته على الـخدّين وبإصبعه الصغيرة لـمس برفق الـخدش على جبـهتي ودلّك اربع قطرات من الدم على جبـهته بين حاجبيه الأسودين وهذا هو الـمعروف بدوياً بنور الـدم.

وبـهذه الطريقة الغربية الدراميـة أصبـحت - بـمشيئة الله - أخ الأميـر فــوّاز بالدم. وبعد فترة قصيرة تعـمدت صداقتنا بالنار. خرجت للغزو عصبـة من الرولة ( قوامـها مئتان وثـمانية وستون مـحارباً بقيادة رشيد بن وفا ) إلى الـحماد ومنطقة الوديان ضد بدو (شـمّر)، وخرجت بصـحبتـهم، وسرنا اثنتي عشرة ساعة في اليوم الأول. وفي الـمعسكر في تلك الليلة كنّا نتفـحص معداتنـا وقرب مائنـا وما شابه ذلك .

وكـم كانت دهشتنا عندما اكتشفنا الأمير فوّازاً غارقاً في نومه ملفوفاً بـخرج الـجمل الـمصنوع من شعر الـماعـز. وهي أوعية ضـخمة مصنوعة من جلود الـماعز.

محمد بن دوهان
05-17-2009, 10:17 PM
ولـم تصدر عنه أية إشارة أو أي صوت خلال الـمسيرة الطويلة الشاقة تُعْلِـمُنا أننا نـحمل معنا متـخفياً . وأراد قائدنا رشيد (من مراف الرولة) أن يعيد الصبـي إلى الـمضارب في الصباح مع أحد ركاب الـجمال، ولكن فوّاز توسـل بـجدية لـمست قلب قائد الغزوة فارسل رسولاً إلى مشاعل ليـخبرها أن ابنـها معنا.

واستـمرت غزوتنـا نـحو شـهرين. وعندما عدنـا - بعد أن أرهقنـا التعـب وتكبدنا الـخسائـر الفادحة ولكـن منتصـرين - أخذ الأمـير فوّاز أربعـة من جـمال الغنائـم الغبراء إلى الـمضارب وأناخـها أمام خيـمة أمـةالعميـاء. وتساءلت مشاعـل التـي لـم تزل شابة عن الغريب الذي ينزل في ضيافتـها فصاح أحد الرولة «يا خالتـي إنه أمير عظيـم يأتي ليشرفك أيتـها الأبنة الـمباركة». وسألت الأم : «أين ديرته لأرسل عبدنـا العـجوز حـمد ليعلن أنه جارنا» فأجـاب الـرولي : «اسـمه صقر الصغير وديرته تـمتد امتداد البصر . إنه ابنك يا أم فوّاز».

وفـي تلك الغزوة قطعت يد قائدنا رشيد اليـمنى بالسيف فـأغـمي عليه من فقدان الدم، ولكن العبيد غـمسوا الذراع الـمقطوع بـالزيت الـمغلي - وهـو عـلاج يائس، لكنه ناجـح لأن رشيد استعاد وعيه. ومنـذ ذلك اليوم حـمل رشيد ذراعه الـمقطوعة معه في سـرج بعيره. وقد جفّت تـماماً مثل الـموميـاء.

عندما وصلنا بـحر سيـجال وهو القلعة التركية الأولى قرب الضـمير، أرسل قائدهـا كتيبة من الفرسـان إلى معسكرنـا لأنه كان قـد أخبر تلغرافيـاً بعـملياتنا غير الـمشروعة في جوار الأراضـي الـمزروعة في ما بين النـهرين. كانت القوة تبـحث عن رشيد لكونه مسؤولاً عن ذلك. ولكن رشيد لـم يستطع حـمل ضـميره على القبـول بالزنزانة التركيـة. وضع ذراعه الـمقطوع الـجاف في حقيبة جلدية وأملى على كاتب فوّاز الرسالة التالية إلى القائـد التركـي الصغير في الضـمير : «بسـم الله الرحـمن الرحيـم. لا أستطيع أن أعـمل في خدمتك كسـجين، ولا أستطيع أن أشد على يدك كصديق. فبـماذا أفيـدك؟ولكنـي أرسـل لك ذراعـي كرمـز لإستسلامـي النـهائي لأنه معتـاد على قطع يد السارق. وتأكـد أنـها ذراعـي - ذراع رشيد بن وفـا قـاطع الطريق. وليرحـمنا الله».

* * *

محمد بن دوهان
05-26-2009, 10:51 PM
الفصل الثاني
فارس «صديق الله»

عند بداية الحرب - وبعد أن كنت قد أمضيت بين العرب ثلاث سنوات - عدت إلى موطني الأصلي وعرضـت خدماتي كـمتطوع في سلاح الفرسـان الألـماني.
ولكنني أُرسلت إلى اسطنبول وعملت في ظل الـهلال التركي أثناء قتال الدردنيل.

وفيـما بعد أُلـحقت باللواء الرابع التركي في قناة السويس، وهنا وقعتُ - مثل الكثيرين - ضـحية الـحمى النـمشية، ولكنني شفيت منها بعكس غالبية المرضـى.

كانت صـحتي قد اعتلت كثيراً حتى إنـني أُعدت إلى البلاد كعاجـز مرضيـاً، فالقدر على ما يبدو لـم يرغب في أن أتورط في حرب الصـحراء والسياسات البدوية، أصبت بالـملاريا وبـخرّاج على الرئة نتيـجة للـحمى النمشية.

كانت النقاهة الإجبارية مفيدة لي على الـمدى الطويل فلقد منـحني الله جسـماً قوياً.

قصة حياتي حتى الآن هي كالتالي: عندمـا بلغت الثامنة عشرة من العمـر ذهبت إلى شـمال إفريقية وبعدها بسنة واحدة كنت فـي الـجزيرة العربيـة، وعندما بلغت الـحادية والعشرين والنصف أصبح مسرح نشاطاتي في منطقة الدردنيـل وما حولـها، وتبع ذلك تـجربتي الـمريرة الـتي دامت ثـمانية أشـهر في قناة السويس أعقبتـها فترات طويلة من الـمرض، وعندما احتفلت بعيد ميلادي الرابع والعشـرين كنت مـجرد هيكل عظـمي تفوح من دمي رائـحة الـحمى، وعلى الرغـم من اننـي لـم أكن أستطيع الوقوف على قدميّ فقد عبّرت عن رغبتـي في أن أخدم في تركيـا ثانيةً، ولكن السلطات لـم ترغب في وجودي هناك.

وبدلاً من ذلك أرسلتني إلى روسيـا حيث قضيت ثـمانية عشر شـهراً في معسكرات فرز الأسرى، ووجدتنـي الـهدنة في أوكرانيا بعد إنـهيار ألـمانيا وثورة بولندا. فضاع كثير مـما كنت آمل فيه، فليس لي مستقبل في أوروبـا والشرق الأوسط مغلق في وجه الألـمان.

اتـجهت إلى كاليفورنيا فوصلتـها وليس في جيبـي سوى دولار ونصف وبعد أن بعت عدساتي وآلة تصويري ( هي رفيقاتي في بلاد كثيرة ) في نيويورك لأتـمكن من جمع الأجرة إلى سانتا آنّـا ، وهنا في ارض السـمن والعسل والفاكهة والشمس الـمشرقةاصبـح بإمكاني التطلع إلى حياة جديدة مليئة بالصـحة والسعادة، عشت في مزرعة حيث قضيت أكثر من ثـماني ساعات يومياً على ظـهر الـخيول، وهكذا استعدت صحتـي وجددت دمائي، وبـحلول عام 1926 أصبـحت رجلاً جديداً وبدأت أفكاري تتـجه نـجو الـجزيرة العربية وأخذ حنينـي يزداد - إلى البدو.

أما زال الأمير فواز على قيد الـحياة ؟ كيف تسير احوال الرولة ؟ ونوري العـجوز؟ وأتى اليوم الذي لـم أستطع فيه مقاومة هذا الـحنين.

وبالفعل بعد أربعة أسابيع احتفلت بلقائي بنوري الشعلان ثانية في دمشق، حيث عاش منذ نـهاية الـحرب العـظمى وفي سن الثـمانين مازال شيخ عشيرته على الرغم من أنه يعيش في الـمدينة ويتلقى دخلاً مـحترماً من الفرنسيين وقد أصبـح مؤخراً نائباً في البرلـمان السوري، وعـهد بـمشيـخة قبيلته في الصـحراء إلى حفيده الأمير فواز نفسه.

وعلـمت أن نوافاً والد فواز واثنين آخرين من اولاد النوري قد ماتوا خلال غيابي.

ولقد دهش نوري كثيراً وسرّ كثيراً لرؤيتـي ثانية بصـحة جيدة ومعنويات عالية. وقادني غلى غرفته التـي فرشـها حسب ذوقه البدوي، كانت كداخل جيمة بدوية بـموقد القـهوة وكومة الرماد الأبيض وفرشاتـها ووسائدها العديدة القائـمة مقابل شداد الـجمال التي كانت دافعاً إيـجابياً للكسل.

وعلى عـمود ارتفاعه متر واحد وقف صقر صيد عريض الـمنكبين، وقد خبأ أحد مـخلبيه تـحت ريشه على استعداد للانقضاض ونزع النوري «قبعة» الصقر الـجلدية فرمقنا بعينيه الواسعتين السوداوين وبدأ يصوت ثـم طلب النوري العـجوز حـمامة وأطلفـها في الـهواء وبـحركة سريعة كالبرق لا يـمكن للعين متابعتـها انقـض الصقر على فريسته ومزقـها.

القسوة جزء لا يتـجزء من البدوي، فـهو يسرّ لرؤية الدم السائل وبـدا كأن نوري يـجدد نشاط شبابه باللـهو بالصقر ، في هذا العالـم لا يصارع الأقوياء أمثـالـهم بل كثيراً ما يكون الضعفـاء ضـحايا القسوة الـخاصة ، وفي الـجزيرة العربية خصوصاً لا يـمكن للـمرء أن ينسـى ذلك.

وبعد اسبوع استأنفت رحلتي إذ أعطاني النوري رفيق سفر وحارسـاً فارس بن نايف الصعبي ، وهو بدوي شـمري شاب لكي أقوم برحلتي بأمان إلى قبيلة الشيـخ العـجوز العظيـمة بـجوار وادي السرحان ورمال صـحراء النفود الـحمراء.

كان من الغريب ان يكون دليـلي إلى الرولة بدوي شـمري لأن هاتين القبيلتين عدوتان لدودتان لعدة قرون، ولكن عائلة فارس مع الرولة لـمدة ستة عشر عاماً بسبب عداوات الدم ، وهذا يفسّر سبب حـمايتي من قبل شـمري في أراضـي أعداء عشيرته الألداء، ولكن هذا الاختيار دلّل أيضاً على حكمة نـوري الشعلان لأن فارس يستطيع حراستي من أعداء الرولة لأنه شـمري كـما أنه يستطيع ضـمانتي أمام أي رويلي لأنه كاتـم أسرار نوري.

وفارس هذا رجل فذ، فـمنذ اللـحظة الأولى للقائنـا عندما قدمنـي نوري له شعرت بأن ذلك اكثر من معرفة عابرة فنعومة صوته عندما القى علي السلام وقبضة يده القوية كشفت لي في لـحظة واجدة نفس هذا البدوي الشاب الطاهرة الصريـحة فَتَـحْتَ عباءته ينبض قلب رقيق وقوي يـجعلني أعترف بأننـي لـم أصادف مثيلاً له بين البشر وحتى آخر رمق بقي أخلص صديق عرفته, وجـهه البيضوي النبيل لا يـمكن ان ينسى وكذلك عيناه السودواوان اللطيفتان.

كـما أن شعره ولـحيته وعباءته الفضفاضة جعلت منه شـخضية أخاذة، وعلى الرغـم من رقته وليونته كان فارساً من أشـجع وأجسر أبناء إسـماعيل، ربـما كان يعيش متأخراً عن عصره بألفي عـــام




* * *

سامي العريفي
05-31-2009, 06:19 PM
نقل رائع تشكر عليه

محمد بن دوهان
05-31-2009, 10:45 PM
حياك الله اخـوي سـامي

وبـارك اللـه فيـك وبـمرورك اللطيف

ودمت برعـاية اللـه وحفظـه

اخـوك

أبـو عبدالعـزيــز

أبو أمل
06-02-2009, 11:04 AM
مشكور على هذا الطـــرح


تقبلــ تحياتيــ

محمد بن دوهان
06-02-2009, 12:19 PM
بــارك الله فيـك اخـوي أبـو أمـل

وفقك الله وهيء لك كـل التوفـيق والرشـد

وتفبـل وافـر التقديـر والعـرفـان ..

محمد بن دوهان
06-08-2009, 06:14 PM
وبعد أن تركنا ضـواحي دمشق القديـمة خلفنا قادنا عبر بساتين الـمشـمش والزيتـون والـجوز إلى السـهول الـمفتوحة . وشـمخت قـمـم الـجبال السورية الـمغطاة بالثلوج إلى السـماء الزرقـاء . الطريق الطينية الـجافة الوعـرة تـخترق الـحقول الـجرداء والـمراعي الرمادية القـاحلـة ، وبعد ذلك وصلنا السـهول الفسيـحة التـي تـخترقـها شبكة من الطرق الـمتقاطعة بفوضـى مربكة ، وعلى حافـة السـهوب يوجـد مـخفر جـمرك سـوري حيث دققت جـوازات سفرنا ، وأخيراً أصبـح باستطاعتنـا التـخلي عن الطريـق الـبري والدخـول في الصـحراء الـمـجهولة دون أية طرق أو علائـم، وانطلقت سيارتنا فوق التربة الصلبة الـجافة الـمفروشة بالـحصى باتـجاه الشرق باستـمرار بـمحاذاة لسان أرضي بلا نـهاية ، وبدا أنه ينغمس أعـمق فأعـمق وس بـحر غامض بلا حدود، وفوقنا كانت السـماء صافية ، وعلى الـجانبين ظـهرت ومضات السراب الضبابية يتراقص فوقـها الـهواء، وفـجأة ظـهر بعض رعيان الـماشية العرب كأشباح من السديـم ، ولـم يكن لديـهم سوى القليل من الـجمال والـخيول ، بينـما ركب الرجال على الـحمير وهذا دليل على صفتـهم ، كـانوا من الفواعر ، وقد لاحظناهم أثناء اتـجاهنا نـحو بقعة من الـماء تلـمع في في انـهدام متطاول في الصـحراء.

كان السراب كثيراً ، وغالباً ما كان خداعاً لدرجة لا يـمكن تصديقـها، إذ لـم يكن من السـهولة تـمييز برك الأمطار الـحقيقية ( التـي تبلغ عـمقها حوالي القـدم فقـط والتـي تـماوج الريـح سطوحـها ) عن البرك السرابية التـي تبدو سطوحـها لامعة ، وفـجأة لاحظنا أمامنا بعض قطعان الأغنام التـي تعبر الأراضـي التـي يغمرها السيل حتـى الصدر، وخففت السرعة أوتوماتيكاُ لأننـي رأيت فـجأة على بعد أقل من مئة يـاردة بريق مـاء بـحيرة ضـحلة والسيارة تتـجه إليـها مباشرةً ، أدرت عـجلة القيـادة، وعندها فقط أدركت أن ما رأيناه لـم يكن سوى حوض جاف امتلأ بالـهواء الـحار البرّاق وبالسرعة القصوى دخلت في الـحوض باتـجاه برك الـمطر.

وأقتربت الأغنـام أكثر فأكثر وفي لـحظة واحدة تغيرت الصورة بأكـملها ، اختفت البركة الطويلة العريضة ، ولـم يعد هناك أثر للـماء ، وبدلاً من الـماء الـمتلالئ رأينا حولناكتلة مغبرة من القطعان - آلاف وآلاف من الغنـم والـماعز.

وأوقفت السيارة لتـمر الـحيوانات ووصل إلينا الرعـاة بنسائـهم وأولادهـم وتفـحصونا بفضول وحيّونا بالسلام، قـمت بتوزيـع السـجاير والـحلويات ، وبالـمقابل أخبرنا البدو الرحل كثيرو الكلام أنـهم عائدون إلى مراعيـهم الأصليـة في الشـمال لأن القبائـل البدويـة الأخرى نازعـوهـم على مناطقـهم ، وبعد ابتعادهـم أصبـحت الصـحراء خالية من جديد.

وأمامنا امتد الـحماد - الـمرتفعات الشـمالية من الـجزيرة العربيـة التـي بدت أنـها تـمتد إلى ما لا نـهاية: أرض منبسطة قاسية ولا شيء هام يغيّر وتيرتـها الرتيبة لـمئات الأميال جنوباً وشرقاً ، وأثناء اجتيازنا لـهذه الأراضي الـمرتفعة الـجافة - ساعة إثر ساعة - كانت تـهب أمامنا من مراعي الإبـل أسراب هائلة من الطيور الـمهاجرة كانت تطير لبضعة مئات من الياردات قبل أن تـحط ثانية على الأرض كالسـحب.
ولكـم جفلت من حباري الصـحراء الـخرقاء ، كـما هبّت أمامنـا أسراب كبيرة من طيور الطـيهوج، هذه الطيور الصـحراوية - التـي يساوي حجـمـها الـحجل الأوربي - تتغذى بصورة رئيسية على اليرقات الـحمراء اللاهبة التـي تتوضع على كل ورقة وساق في البريّة القاحلة.

خرج ذئب صغير من مـخبئه كـما قفز ثعبان بعيداً عنـا، كـما صادفنا أيضاً بـومة كبيرة وقفت تطرف بعينـها بارتباك في ضـوء النـهار فأوقفنا سيارتنـا بالقرب منـها.

وفـجأة - قبل غروب الشـمس - هطلت زخّـة من الـمطر أنعشت الصـحراء الـمغبرة ، قضينا معظـم الليل في ستر قاع نـهر جاف مستلقين على الرمال .

وفي مساء اليوم التالي بعد قيادة جنونية تطاردنا عاصفة رملية إلى الرولـة كانت القبيـلة الكبيرة كلّـها تـهاجر نـحو الشـمل وخيامـها تـمتد أبعد من مدى البصر وقطعانـها الـهائلة منتشرة في كل اتـجاه ، احتوى انـهدام ضـحل نـحو ثـمانين خيـمة من مـختلف الإحـجام وواجـهاتـها الـمفتوحة كلـها باتـجاه الريـح، وبينـها انتصب اوسع سرداق في الـجزيرة العربيـة ألا وهـي خيـمة نوري الشعلان الشـهيرة.

توقفنـا هناك وكان سـؤالي الأول عـن الأمـير فـوّاز ، ولكـن زعيـم الرولـة الشاب لـم يكن في بيتـه بل كان في زيارة عشيرة تـخيّـم بعيداً عن الـمضارب الرئيسية.


***

متعب عبدالهادي الفققي
08-16-2009, 11:15 PM
الله يعينك ابو عبد العزيز
لازلنا ننتظر جهودك في نقل هذه التاريخ

محمد بن دوهان
08-17-2009, 06:52 PM
جزاك الله خير على هالدعاء الطيب يا أبو عبدالله ..

وشاكر ومقدر مشاعرك الطيبه أطال الله بعمرك وبارك الله لنا بوجودك الكريم ..

وأدامك الله برعايته وحفظه ..

اخوك ومحبك

محمد بن دوهان
08-17-2009, 06:54 PM
عدنا لنكمل فصول هذا الكتاب الغير متواجد على ساحات النت حتى الآن ، حسب ما أعلمه إلا مقاطع منه ..

كتب الـمؤلف :

محمد بن دوهان
08-17-2009, 07:14 PM
الفصل الثالث
الراعية الوحيدة


في صباح اليوم التالي انطلقنا - أنا وفارس - على ظهور الـخيل لأن رئيس الـمضارب أعارنا فرسين. وتكسّرت أغصان الـخزامى والبابونج الدقيقة تـحت حوافر الخيل بصوت يشبه حفيف الـحرير، وامتدت السهوب حولنا فوق التلال والسهول الفسيحة التي زارتها الأمطار، ولكن ما من أثر للإنسان هناك، فلا هجرات بدوية ولا رعاة يسوقون قطعانهم، فكل ما يمكن تلمسه هو روعة الصحراء البـِكر.

أطلت شمس الغروب علينا من بين السحب الرعدية، وتراقص الشرق المعتم بالبرق الخلِّبـِيّ وقصف الرعد من بعيد وتراكضت بعض السحب الرمادية أمام رياح المساء مع حلول الظلام.

وعندما شددنا الأعنة فوق قمة إحدى الهضاب أتانا من الأعلى صوت يشبه ضربات الأجنحة العملاقة، إنها الرياح الدافئة تدفع أمامها زخّـة ربيعية، ونصبت فرسي « سادها » أذنيها بفضول وتراقصت بقلق ، وضربت الأرض بحوافرها وحنت رأسها وصهلت برقـّة ، وبعد ذلك هزت عرفها وضربت بذيلها على جانبيها الضامرين ورفعت عنقها نحو الأعلى ، لقد اكتشفت حواسها الحادة - كحواس كلاب الصيد - شيئاً .

وهرولت نحو الأمام بقوائـم خفيفة وأذنين منتصبتين وخياشم متـّسعة واتجهت نحو نار صغيرة ظهرت لنا فـجأة بين الظلال المتشابكة للسماء والأرض وثم أخفتها زخة جديدة من المطر ثانية، وبعد انقطاعها رأينا أيضاً قطيعاً محتشداً من الغنم بللته الأمطار، واعترض كلبان ضخمان اقترابنا بنباحهما الغاضـب ، وأتانا صوت إمرأة من قرب النار يقول: « من هناك » ؟ وبإستعمال يديّ المبللتين كبوق للكلام صرخت بعكس الريح بأعلى صوتي « أصدقاء ».

- ومن معكم ؟
- الله وحده ؟
-عليكم رحمة الله وبركاته-

خرجت صبية بدويـة من خيمة صغيرة طالبة من كلبيها الابتعاد عندما ترجلنا وأخذت فرسينا ووضعت أمامهما وعاء من الحليب ، وسمحت لنا بالاقتراب من النار التي فرقعت بشدة لأن كل قطرات المطر الثقيلة سقطت فوقها ، فإمتلأ هواء الخيمة بدخانها الـلاذع ، وبـدت الـخيمة بـجانب النار مأوى صغيراً لا يكاد يستحق اسم خيمة ، إذ كانت قطعة واحدة من قماش شعر الماعز الخشن كأنها مجرد ستارة مطر لوقاية الراعية وكلبيها ، وفي داخل الخيمة إلتـجأ حمل صغير وأمـه التي كسرت ساقها ، فجبرت الساق وثبّـتُها ببعض الأغصان وبضماد من القماش ، بينما كانت الفتاة تراقب معالجتي بعينين متلهفتين .

كانت الفتاة في السادسة عشر من عمرها ، جميلة للغاية رشيقة مثل كل النساء البدويات ، وقد اصطبغت وجناتها اللتان لفحتهما الشمس بالدم ، وكان شعرها الكثيف الناعم وأنفها الشامخ - يشيران إلى أن الفتاة من نسل إسماعيل النقي.

وحسب عادة الصحراء القديمة وضعت أمامها وعاء من حليب الغنم الطازج ثم استدارت نحوي أولاً وقالـت : « أقسم لأختك أنه لن ينالها أي سوء »


- 38 -

محمد بن دوهان
08-24-2009, 02:26 AM
وحدقت في وجهي بعينين واسعتين واثقتين، ولمعت أسنـانها البيضاء، وتراقصـت الغمازات الصغيرة في خدّيها .

وأخذت غصناً جافاً من كومة الحطب بجانب النار وقدمته لي قائلة : « خذ هذا بيدك واحلف بالله الذي يحيي كل شيء ».

وبسرعة نفذت طلبها وتعهدت بحرمة ضيافتها بقسـم لا يـخرقه حتى الأطفال في الصـحراء وهو صيغة أبناء إسـماعيل القديـمة: « بسم اللـه، كما أخذ الروح هذه القطعة الـخشبية الـميتة فليأخذ الله روحي مني إذا لـم أحافظ على روحك وجسدك وأحميهما يـا أختـاه »، وبعد أن أقسم فـارس أيضاً تشـجعت وطلبت أن نتصرف بـحريتنا في خيمتها، ووضعت أمامنا كل ما تملكه من طعام : الخبز والـحليب الطازج وبعض الزبدة والتمر المجفف، وبينما كنا نتناول عشاءنا سـحبت إلى الـخيمة حملاً صغيراً يثغو بأسى ويحاول التحرر منها، وعندما انحنيت لأمسك الـحيوان استلت الفتاة خنـجري من نطاقي وصاحت: «اذبـح لي هذه الضحية لكي أطبـخها لكما »، وأخذت الخنجر المعقوف من يدها ثـم تركت الحمل يعود إلى القطيع ولكن الفتاة نظرت إليّ لائمة فقلت لـها: « لقد قدمت للغريب كل ما يسد الرمق، يشهد الله أننا لا نستطيع أكل حمل كامل، كما أنني لا أرى أي وعاء يمكن أن تطبخي فيه اللحم ، فأجابت الفتـاة: « ولكنني أستطيع شوي الكليتين والخصيتين على هذا السفود» (1).

لحسن الحظ خافت الفتاة من ذبح الحيوان بنفسها مما سهل علينا إقناعها بأنه لا لزوم للضحية، ولكنها كانت تخشى أن يلومها والدها لأنها لـم تقـم بواجب الضيافة البدوية الكاملة، وبدون كلام جلست أمام الخيمة وأضرمت لنفسها ناراً صغيرة أضاءت جسدها عندما انحنت فوقها ، وتراقص الضوء على وجهها الـجميل البراق بقطرات الـمطر فأظهرت صورة رائعة للـجمال الطبيعي والصـحة.

وعندما اتضـح لنا أن الراعية الشابة عزمت على قضاء الليل في العراء والـمطر دون وقاية ألحـحت عليها ألا تـخاف وأن تقاسمنا الـخيمة ، بل هددت بأننا سنرحـل



#3d0000
(1) السفود: سيخ الشوي الحديدي.



- 39 -

عوض العطيش
08-24-2009, 01:40 PM
الله يعطيك العافية و عساك على القوة يا ابا عبدالعزيز

مجهود تشكر عليه و أستعراض شيّق لكتاب جميل

بارك الله بك يالغالي

خليف الدوامي ابو زيدان
08-24-2009, 04:04 PM
مشكور ابن دوهان ابو عبد العزيز

على هانقل الممتاز - نتابع معك 0

محمد بن دوهان
08-24-2009, 08:57 PM
الأخ العزيز أبو خالد
والأخ الكريم أبو زيدان ..

سنواصل متابعة وتقفي ما كتبه أولئك المؤرخين والمستشرقين بلا كل ٍ ولا ملل ..

نعم فلنا هدف من ذلك وما غايتنا من وجود هذا الركـن إلا توسيع ثقافة أبناءنا وأصدقاءنا على حد ٍ سواء وليصبح حديثنا موثق فحتى يكون مرجع موثق بما كتبه الأولون السابقون من أهل البحث من المؤرخين والنسابة ولنثري مكتبتنا بكتبهم ومؤلفاتهم ، لا أن نكون موقع صوري فقط كباقي المنتديات التقليدية التي أصبحت مكررة ومطابقة لغيرها من المنتديات وبدون وجود هدف حقيقي ملموس ..

بارك الله فيكم وسترنا وإياكم بستره وعفوه ورضوانه بالدنيا والآخرة ، وجمعنا الله بكم في جنات النعيم إنه سميع ٌمجيب الدعاء ..

منصوربن عبدالرزاق الفاعور
08-28-2009, 03:37 AM
يعطيك الله آلف عافيه النقل أكثر من رائع

محمد بن دوهان
08-30-2009, 02:16 AM
عافاك الله يامنصور ..

فكن قريباً وسيعجبك هذا الكتاب الذي أقوم بنقله هنا فهو غير موجود على صفحات الإنترنت وهو حصري لشبكتنا ..

فكن بخير وبحفظ الله ورعايته.

عرفاء قماصي
09-11-2009, 02:09 AM
الله يعطيك العافية يابو عبد العزيز على هذا الجهد الذي تشكر علة ..ونحن متابعين .... تحياتي

محمد بن دوهان
09-12-2009, 08:18 AM
هلا والله ومرحبا يا عرفا قماصي ..

شرفتني وازددت والله فخراً وشرفاً بمعرفتك ..

وكل الشكر والتقدير لمرورك العطر كقلبك النقي ..

فكن برعاية الله وحفظه وسترنا وإياكم بستره وعفوه ورضاه فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض رب السموات والأرض .

فرحان الجولان
09-24-2009, 05:22 AM
الله يعطيك الف عافيه اخي ابو عبدالعزيز ...

جهد عظيم بمعنى الكلمه والله تعب عليك كتابه الكتاب كامل ...

واذ انت مصصم على كتاتبه كاملا .. اتمنى م الدعم الفني , وضع ميزة عدم القدرة على النسخ بهذا الموضوع فقط لكي يكون حصري بمعنى الكلمه للمنتديات السبعه .

محمد بن دوهان
09-25-2009, 01:58 AM
الله يعافيك ويسلمك من كل شر يابناخي

ويا هلا فيك ويا مرحبا بك بين عزوتك وبنيخيك يابن جولان ..

وإن شاء الله سيكون ما أشرت به علينا ..

وسأقوم بعون الله وقدرته بإكمال ما قمنا بالشروع به من جعل هذا الكتاب كاملاً ها هنا وحصرياً لشبكة منتديات قبيلة السبعة أهل العرفا لندرته وجودته بنقل تفاصيل ماضي الأحبة رحمهم الله برحمته الواسعة وشملنا وإياكم بعفوه ورضاه وستره فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض ..

وتقبل كل الشكر والتقدير لمرورك وتعليقك الكريم ..

وكن برعاية الله وحفظه أينما كنت ..

محمد بن دوهان
11-11-2009, 02:15 AM
عدنا والله نسأل أن يجعل من هذا الصرح مرجعاً علمياً وثقافياً حقيقياً كما ينبغي له وكما يليق به أن يكون ..

قال المؤلف ..

إذا لم تفعل ، ولكنها لم تأخذ تهديدي على محمل الجد : ضحكت وأجابت بخفة بأنها تستطيع الذهاب إلى خيمة والدها والعودة في الصباح.

وهنا قاطعها فارس قائلاً « من هو والدك ».

- إنني تويما بنت شاعل بن سرحان، وخيامنا منصوبة مع عشيرة الفريج»

فأجاب فارس مداعباً: « إن المسافة بعيدة إلى خيمة والدك والوقت ليل فثقي بنا وتمددي هنا عند أقدامنا».

فقالت الفتاة أخيراً: « في الـحقيقة لست خائفة . ابقيـا عندي ولا ترحلا».

ونهضت أثناء حديثها ورمت بعض الأغصان على النار وانتظرت حتى تشب النار. ثـم انتصبت بقامتهـا الـجميلة الـمديدة ورمت عباءتـها عن كتفيـهـا ودخلت الـخيمة .

وقفت أمامنا وهن تنزع «شالـها» وامتدت ذراعاها النـحيـلان ومعصـماها الدقيقـانفوق رأسـها وبدا عليـها الإطـمئنان بينـما كانت عيناها السوداوان ترمقاننا باستـحياء.

تـمددت في حـماية الـخيمة وخلـفي النـعـجة العرجـاء وحـملها اللـذان وجدا مكاناً دافئاً عند كتفي وفروتي . ونـهض فارس عندما دخلت الفتاة وساعدها على نشر عبائـتها الـمبللة فوق عـمود الـخيمة . وبعد أن هيأت لنفسها «مفرشاً» واستقلت نشر فارس عباءته عليها . واحتـجت الفتاة لكن فارس أشار إلى فروته وجلود الغنـم التـي معه مـما جعل الفتـاة تطيعه وهي ترمقه بنظـرة مـحببة. وكنت أنـا وفارس مصـممين على ألا نـخون ثقة تويـما فينا سواء بالقول أو بالعـمل.

صـحت السـماء ونشر القـمر الـهادئ نوره في الصـحراء وألقى أضـواءه على منـحدرات التلال البعيدة بينـما أخذت الريـح الدافئة تـجفف السـهوب والأعشاب والأزهار والأغنام الـمرتعشة وقـماش خيـمتنا .

كان فارس وتويـما يغطان في نوم عـميق كـما أدركت من تنفسـهـما الرتيب أما أنا فكنت مستغرقاً بين النوم واليقظة.

وفـجأة بدأ الكلبان ينبـحان بـحدة . وفي لـمح البصر استيقظ فارس وسـحب مسدسه من قرابة واندفع خارج الـخيمة. ولكن حتى قبل أن يتـجاوزه ظل الـخيمة

يتبع في الصفحة القادمة إن شاء الله ..


- 40 -

محمد بن دوهان
12-15-2009, 12:28 AM
لحقت به تويـما ورمت بذراعيها حول جسمه وصاحت مـحذرة :« لا تطلق النار لأنك ستفزع القطيع. إنـها مـجرد ذئاب صغيرة وسيطردها الكلبان ».

ونادت على سـخان وقصاب(1) وحثتـهـما على مطاردة الذئاب، أنزل فارس مسدسه فأخذته تويـما وأعادته إلى نطاقه .


ونشرت السـهوب عطورها فبدأ الـجو مشبعاً برائـحة تشبه عطر الـخزامى ، وطلع الفـجر يكشف عن أصوات القطيع الـمحتشدة بعد أن عاد إلى هدوئه ثانيةً .



ومن البعد وصلنا نباح الكلبين الذي أخذ يـخف تدريـجياً إذ إن الكلبين ما زالا يطاردان الذئاب.



وبالقرب منا أخذت فرسانا الـمربوطتان تقبعان(2).




#7700ff



(1) اسما الكلبين.
(2) القبع: صوت يردّده الفرس من منخره إلى حلقه إذا رأى ما يزعجه.












- 42 -

محمد بن دوهان
12-15-2009, 12:30 AM
الفصل الرابع

ملاقاة أخي في الدم ثانية


ابتسم الـهدوء والسعادة على العالـم. وهنا وهناك لـمعت بركة مطر انـهدام. بينـما الشـمس والريـح جففت قـمم التلال، وانتصبت أمامنا زوبعة كنست الأرض كالـمكنسة، واقتلعت الأعشاب والورود الصغيرة أو اختطفتـها أو مزقتـها ، وخلفت وراءها أثراً متكسراً كأثر حية ضـخمة ، أما نـحن فقد غطانا الغبار والطلع.

كانت أصوات الـهدهد تنبعث من بين الأعشاب بينـما كانت الـحبارى وطيور الـحجل مشغولة باصطياد اليرقات الـحمراء الناعمة ، وفـجأة عند وصولنا قـمة إحدى الـهضاب رأينا خياما ًسوداً في أسفل السفـح الـمقابل . بعد قليل سأرى الأمير فواز ثانيةً .

وانتصبت خيـمة الـمضافة بعيداً عن الـمكان الذي كانت فيه تلك الـخيمة التي استمتعت فيـها بضيافة نواف وتعرفت على ابنه فواز الصغير قبل سنوات طويلة مثيرة.

ومع ذلك فقد بدا كل شيء على حاله، وشعرت وكأني أعود إلى ذلك الزمان والـمكان، وبدت نفس الصفوف الـمتناثرة من الـخيام السود الصغيرة الـمفتوحة من الأمام، ونفس قطعان الـجمال الـمنتشرة في الـصحراء اللامتناهية تـحت أشعة الشـمس البراقة ، ووسائد شداد الـجمال التي اتكأت عليـها في خيـمة







- 43 -

محمد بن دوهان
12-18-2009, 02:49 AM
الضيوف ، والنار في الـموقد حيث يغلي ماء القهوة بدت نفسها دون تغيير، وجناح النساء في الـخيمة بـما فيه من السروج والـخرج والفرشات والوسائد وما إلى ذلك كلها بدت كـما رأيتـها آخر مرة.

وعلى يسار خيـمة الضيوف انتصبت خيـمة أخرى، وخرج من الـخيمة بدوي شاب بـملابس عادية، ولكنه مـحاط بأربعة عبيد يـحملون صقور الصيد، وإلى جانبـهم مـجموعة من كلاب الصيد السلوقية، وعندما توجـهت لـملاقاته تـملكني شعور غريب من الوهم، لقد عرقت بالطبع من هو ولكني في تلك اللـحظة لـم أستطع أن أشعر بأن هذا الشيـخ الـمهيب الذي يتقدم نـحوي بوقار كان ذلك الصبي الصغير اللعوب، ذلك الـمتشرد الـمتسخ الـمحبب الذي أخرجناه ذات ليلة من خرج الـجمل .

ولكنني على الفور أدركت شيئاً واحداً : فواز لـم يعرفنـي ، واسـمي - كما يقتضي واجب الضيافة العربية - لـم يلفظه أحد بعد وإن أخبار مقدمـي لـم تسبقني إليه.

ورمى أحد العبيد سـجادة صغيرة على قدمي - وهي سـجادة سوداء ذات إطار مزخرف وملون.

عند هذا الرمز الصغير الـمقدس تبادت التـحيات مع الأمير ، ووضع يده على قلبه وقال « سلام الله عليك » ثـم قادني إلى داخل الـخيمة .

فرش العبيد الأربعة سـجادة الـمناسبات الثـمينة فغطت أرض الـخيمة كلها.

وعلى الـجانب الآخر من الـموقد تكدست كومة عظيـمة من جلود الغنـم والسـجاد والوسائد تـجاه أسرجة الـجمال، لتكون ديواناً رائعاً وهو عرش زعيـم الصـحراء.

خلع فواز صندله وأشار إليّ بالـجلوس إلى يـمينه ، واصطف الوجـهاء والعبيد وأفراد حرس الأمير على السـجادة العظيـمة .

ولـم يتكلم أحد، كل الأعين اتـجهت نـحو القهوجي الذي نبش بضع جـمرات من رماد الـموقد، وأضاف كـمية جديدة من بعر الـجمال الجافة، وقطع صوت الـماء الغالي في وعاء القهوة الكبير السكون السائد.

وأخذ خادم الأمير الـخاص « مناحي » عوداً من البـخور من ثنايا كوفيته وقطع قطعة منه وألقاها على جـمر بعر الـجمال الـمتوهـج .

إنه نفس الشـخص الذي فرش سـجادة اللقاء ، وعبر قـماش السقف الأسود تسللت أشعة الشمس الضعيفة ورسـمت صورة



- 44 -

محمد بن دوهان
02-12-2010, 10:19 PM
من الأضواء والظلال على الأرض . وتـحلق الوجهاء والفرسان والعبيد على شكل نصف دائرة صامتة. ومقابل هؤلاء الأشـخاص الـمقرفصين كان « مناحي » وحده واقفاً . اتـخذ مكانه على يساره سيّده ووقف هناك بلا حراك وقبضة إحدى يديه القويتين على مقبض سيفه الفضي .

واسترقت النظرات الـخفية إلى مضيفى . فقد أحاطت كوفيته بوجه نسائي بيضوي له ملامـح منتظمة وأنف معقوف قليلاً يدل على نسبه الأصيل. وعيناه السوداوان الواسعتان البراقتان يعلوهـما حاجبان كثيفان تـحت شاربه الأسود الصغير. وكلـما أكثرت من النظر إلى هذا الشاب الرومـانتيكي تعرفت فيه على ذلك الأخ القديـم الـجريء. وقد كلفني الكثير من جهد الإرادة لأكبح جماح قلة اصطباري وعدم الإعلان عن نفسي، ولكن كان علي أن أنتظر اللـحظة الـمناسبة. فـحتى الآن لـم ينبس أحد ببنت شفة. وكلـما بدا - أو تظاهر بذلك - بأنه مـهتـم حصراً بالقـهوجي الذي ما زال يـجهز القهوة قرب الـموقد. وفقاً لآداب السلوك في الصـحراء يعتبر إثقال الضيف بالأسئلة الشـخصية من أبواب عدم اللياقة .

وأخيراً قدّم لي فواز الـمفتاح الـمنتظر بأن إلتفت إليّ فـجأة وقال : « مـهما كانت البلاد التـي أتيت منـها أيـها الغريب فـمرحباً بك ». فأجبته : « أيـها الأمير فواز ! لا يـمكن أن أُدعى غريباً بين قومك .لأنني في يوم من الأيام وفي هذه الـخيمة نفسـها عرفت صبياً أطول قليلاً عندئذ من هذا السيف تـحت قبضة خادمك . وبعد ظهر أحد الأيام عندما كان ذلك الصبي وأصدقاؤه يرمون بالـمقلاع حدث - بـمشيئة الله - أن اقتربت من ذلك الـمكان فأصابتني حصاة رمتـها يد ذلك الصبي تـماماً بين العينين. وكان بإمكان أي شـخص أن يقول إن الله وضع نور الدم علامة على جبـهتي ولذلك طالبت عندها بثـمن باهظ لدمـي ».

أصغى فواز برأس مطرق وعينين خفيضتين كـما لو كان يتذكر ثـم رفعـهـما ثانية. وحدّق فيّ لـحظة كـما لو كان في عيبوبة. ثـم أضاء وجـهه وقفز واقفاً يصرخ من الفرح وأمسك بكتفي وضـمني إلى صدره صائـحاً « عزيز » مستعملاً الاسم الذي أطلقته عليّ قبيلته في أيام طفولته « عزيز ! لقد عدت ! الـحمد لله ! ». وقبلنـي على الـخدين وضـمني إليه مرة بعد مرة وقال : « الآن فـهمت الكلـمات التـي تعلـمتها





- 45 -

ابويزيد القماصي
02-14-2010, 09:23 PM
لاهنت يا ابوعبدالعزيز على هذه الصفحات

موروث يستحق البحث وإدراج رائع في فن التسلسل القصصي الممتع ..

كتاب رااائع يستحق الإطلاع

فرحان الجولان
02-15-2010, 04:53 PM
الله يعطيك العافية

متابعين لك

محمد بن دوهان
02-17-2010, 02:39 PM
الإخوة والأحبة الأعزاء..

الأخ أبو يزيد والأخ بن جولان..

عافاكم الله وسلمكم من كل شر ومكروه ..

فبكم وبمحبتكم تزود الهمة حتى نصل لما نصبوا إليه وستكون بإذن الله القمة ، التي نبراسها الحب والحكمة والأدب ..

فبارك الله فيكم وبوجودكم وأدامنا وإياكم بما يحبه لعباده الصالحين .

محمد بن دوهان
02-17-2010, 02:45 PM
كتب المؤلف :


من أستاذي ( أنت يا من يتبع ببصره جناح الطير أو مسار حصاة تطلقـها يدك ماذا تعلـم من تدابير الله ؟ )».

نعـم لقد عدت. واصبـحت ثانية بين البدو لأرحل ثانية مع قطعانـهم ولأنام تـحت سقوف خيامـهم، لأقطع فرسـخاً بعد فرسـخ راكباً على جـمال السباق تـحت الشـمس والنـجوم، ولأعدو على ظـهر خيولـهم الأصيلة التـي « تشرب الريـح »، وإلى جانب مواكبنا تـجري كلاب الصيد السلوقي .





***









- 46 -

محمد بن دوهان
02-26-2010, 01:31 AM
الفصل الـخامس
حب في الصـحراء


إنه فصل الـخصب العظيم هنا في الـجنوب قرب وادي السرحان . فالـمطر والزخّات الرعدية فوق كل الأراضي. أصبـح وجه الأرض واحداً عظيـماً. وضروع النوق الـمنتفـخة يتصبب منـها الـحليب . وصغار الإبل كثيرة - مـخلوقات مضـحكة خرقاء طويلة الساقين . وملأ الـجو خليط من الأصوات يـمتزج بالـهوادج الـتي تئن وتصر على ظـهور الـجـمال الـتي تظـهر من تـحت ظلالـها الأمـهات السعيدات يداعبن أطفالـهن. إنه ربيع السنة عندما تنبض الطبيعة بالـحياة. فالنساء يلدن الأطفال في الـخيام وفي الظلال بين الـحيوانات الـحبلى أيضاً بالصغار . وفي الشـجيرات الصغيرة وأعشاب الـجمال يـمكن أن يسـمع الـمرء زقزقة صغار طيور الصـحراء وصغار الـحباري . والصـحراء القديـمة الذابلة جددت نفسـها بأعـجوبة وأصبـحت جـميلة من جديد مع تفتـح الصبا .

وقبلات الـمطر والشـمس تداعب عشرات الآلاف من الوورد . وغـمر التلال والوديان ضباب شفاف من الفضة والـخضرة، وتألق اخضرار الـمراعي الـتي تناثرت فيـها الورود في الانـهدامات العريضة فبدت أعـمق وأغـنى . والنسـمات الربيعية الناعـمة العابقة بالـمطر هبت خفيفة فوق الأرض الفاتنة ، وكانت عيون










- 47 -

محمد بن دوهان
04-24-2010, 08:45 PM
الرعاة برّاقة بالامتنان. وعلى الرغـم من ذلك فإن النساء - صباحـاً بعد صباح - يسـحبن أعـمدة الـخيام من تـحت السقوف الـمثناة ويطوين الـخيام الشعرية ويضعنـها على الـجمال القوية .

وتبرز إحدى الذكريات من تلك الأيام التـي تتـحرك فيـها الشـمس شمالاً وتتـحرك معها القبيلة وهي الأيام التي ذهب فيها فارس يومياً تقريباً لزيارة خطيبته.

في صباح أحد تلك الأيام قال لي فارس : « دعنا نذهب للصيد » وطلب من « مناحي » أن يناوله بندقية الصيد الآلية الـتي كانت قد أعطيتـها له كتذكار. واتـجهنا نـحو فرسينا اللتين وقفتا بصبر بين الصفوف ، فأرخينا رسنيـهـما وامتطيناهـما ثـم اتـجهنا نـحو السـهل .

وعندما اجتزنا قـمة أحدى الـهضاب رأينا عن بعد قطيعاً من الغزلان يتـجه نـحونا بسرعة، وكان القطيع يغيب عن بصرنا من آن لآخر ، وعندمـا اقتربت منا يبغي عزل ظبي أبيض - الزعيـم - عن القطيع. ومرة تلو الأخرى وجد الظبـي ملـجأ له بالاندساس بين الغزلان الـمندفعة ، ولكن الفرس السـمراء كانت سريعة ومدربة والفارس ماهراً . وقد تفرق القطيع وتشرذم عدة مرات أما الفارس فكان يقترب من طريدته. وفي النـهاية أطلق النار عن قرب وتعثر الظبـي عدة مـرات ثـم توقف عن الـحركة.

وعندما اقتربنا من الصياد الذي كان يذبـح طريدته لاحظنا بدهشة شديدة أن الصياد ليس رجلاً على الإطلاق فصاح فارس : « بدينـي إنـها فتاة » وحثثنا فرسينا على الـجري وكنت الأول الذي يلاقي الصيادة. نـهضت وسكينـها الـملطـخة بدماء الظبـي في يدها، ورفعت بيدها الأخرى لثامـها حتـى عينيـها لتـخفي ملامـحها ، ولكني كنت قد تعرفتـها فصرخـت بسرور « تويـما » وللـحظة لـم تظهر سوى عينيـها الضاحكتين ، ثـم تركت لثامـها يسقط عن وجـهها ومدت يديـها إليّ فسـحبتـها نـحوي وقبلتـها على جبهتـها.











- 48 -

محمد بن دوهان
06-06-2010, 01:08 AM
وتظاهر فارس - الذي كان لا يزال على ظهر فرسه - بالدهشة وصاح برياء تام : « هل تعرف هذه الصبية يا عزيز ؟ » وجاريته في هزله فهززت رأسي وقلت « لا . ولكنها تبدو مألوفة أو تشبه فتاة أعرفها ».

ولكن نزق الـحب قضى على هذه الـمسرحية الصغيرة . ترجل فارس عن فرسه وعانق تويـما وبدأ يثرثر ليعبر عن فرحته للقائـها على غير ميعاد ، ثـم أخذ إحدى يديـها ووضعها في يدي قائلاً : « هذه أختك يا عزيز ولو لـم تكن خطيبتي لكانت لك . أليس كذلك يا تويـما ؟ » فأومأت بالإيـجاب على استـحياء .

وعندما ساعدها فارس على ربط الظبـي فوق مذيلة الفرس لاحظت بدهشة كبيرة أن الفرس لـم تـجفل من رائـحة الدم ، فقالت لي تويـما إن فارس قد درّبـها. لقد ركب الفرس في إحدى الغزوات وأرسلـها إلى والد تويـما كـهدية عريس.

كانت الفرس مـحـجّلة وقد سـماها فارس « صباح » بسبب لونـها - سـمراء ذات غرّة بيضاء وقوائـم أمامية بيضاء في أسفلـها . وصهلت الفرس الـجميلة برقة ووضعت جبـهتـها على كتف تويـما، فقال فارس « إنـها تداعبك » . وبعدة طعنات جدية وخبيرة من سكينها قطعت تويـما الرأس والرقبة عن جسـم الظبـي وأهدت إليّ تذكار الصيد الدموي هذا.

ثـم التقطت بندقيتـها كالشباب وامتطت ظـهر الفرس بقفزة واحدة من الـجانب وانـحناءة واحدة من جسـمـها ، ورمقتنا بنظرة وداع خبيثة وابتعدت.

وأمسك فارس بكتفي بقوة وصاح بنشوة « إنـها خـجولة كالظبـي الصغير، هل يعقل أن توجد صبية أخرى بـمثل جـمالـها؟ » .

وفي اليوم التالي أتى بي فارس لـمرافقته لزيارة منزل تويـما، وبعد أن تبادلنا عبارات الـمجاملة مع والدها سرحان ذهبنا إلى خيـمة النساء حيث كانت تويـما لوحدها لأن بقية النساء خرجن من الـخيمة .

ووضع فارس ذراعيه حول مـحبوبته قائلة « يا نعامتي » ثـم ألقت برأسـها على كتفيه فأجابـها « يا نعامتي الصغيرة ».




















- 49 -

محمد بن دوهان
12-07-2010, 11:12 PM
وحالاً ناولت تويما محبوبها أحد أرغفة الخبر البدوية الملفوف كالزلابية، وفي داخله حلويات صغيرة من صنع تويما ومن النوع التقليدي الذي تقدمه الفتـاة البدوية الـمخطوبة إلى عريس الـمستقبل .

وقسم فارس الرغيـف بـما فيه إلى ثلاثة أقسام ووزعه بيني وبين تويـما وبينه. شكرها بـجدية ثـم لاطف شعرها وقال: « مقابل هذا سأجمع لك باق من الورد الذي لن يذبل، وسأحضر لك أيضاً زوجاً من الـخلاخيل الفضية» . ضحكت تويـما وقالت : « أزهار برارينا ليست أكبر من قمة غضبي وأنت تعدني بـجمع باقة منها ؟ وأين ستـجد الـخلاخيل وليس هناك صائغ؟ ».

فأصر قائلاً : « في الحقيقة با فتاتي الـجميلة ، يا سيدتي ، سأقطف لك باقة من الورود النادرة لتتزينيين بـها لساعات في الـهضاب».

ولـما كانت غير مصدق سـخرت منه عابثه برأسه بسرور حتى انتزعت عقاله وكوفيته ثم صاحت : « لكم أنت مهمل » إذ سقطت ست جديلات شعثاء فوق كتفيه فـجذبته نـحوها ووضعت رأسه في حضنـها . ثـم بدأت تعيد ضفر خصل شعره بطريقة صـحيحة ، وأخرجت من طرف شالـها حفنة من روث الغزال الـجاف مثل براعم الكبر الـخضراء الداكنة الصغيرة . وانتشرت منـها رائـحة الزعتر والبابونـج عندما سـحقت الكرات بين راحتيها ودلكت مسـحوق - مثل الـمسحوق العطري على جدائل الشعر. بقي فارس ساكناً بدون كلام, وأخيراً أتـمت عملـها وأعاد فارس كوفيته وعقاله إلى رأسه ثـم أعلن قائلاً : « الآن جاء دور عزيز ».

وسواء رضيت أم لـم أرضَ كان عليّ أن أضع رأسي في حضن تويـما وأن أسـمح لـها - بـمساعدة فارس - أن تضفر شعر رأسي وأن تدلكه بعطرها الغريب.

ياله من منظر ! إني نادم على أنني لـم أتصور عندئذ. على كل حال فرح فارس وتويـما بـهذا العـمل لدرجة جعلت الناس من الـخيام الـمجاورة يـجرون إلى الـخيمة ويضـحكون على عزيز رضوان.

وعندما كنا عائدين على مـهل إلى مضاربنا في تلك الليلة سـمعنا وقع حوافر بعيدة خلفنا. وبدأ الصوت يرتفع فوصل فوج من الفرسان - نـحو اثني عشر بدوياً









- 50 -

محمد بن دوهان
12-07-2010, 11:26 PM
على جياد سريعة . وفي ضوء القمر رأينا ضفائرهم وكوفياتـهم تتراقص وعباءاتـهم تتطاير في الـهواء . وما إن مروا بـجوارنا حـتى تـجاوزونا ملوحين ببنـادقـهم ومـحيين كلاً منا باسـمه بأصوات عالية. حثثنا خيولنا وأسرعنا خلفـهم إلى خيـمة الزعيم.









- 51 -

محمد بن دوهان
12-24-2010, 10:41 PM
الفصل السادس
« قائد رحلنا »


عندما شددنا الأعنة كان العبيد قد أضرموا ناراً هائلة إشارة لـجمع فرسان القبيلة. قيل إن حملة غزو كبيرة من البشري ( قبائل العنزة الثلاثة الـمتـحالفة : فدان - سبا - أمارات ) * تتقدم نـحونا . وقيل إن عددهم حوالي خـمس مائة راكب جـمل وبضع مئات من خيول الـحرب. ربـما كانت الأعداد مبالغ فيها.

في تلك الليلة اتـخذ الأمير فواز كل الترتيبات وعُيّن فارس قائداً للـحملة .

وقبل أول خيط من خيوط الـفجر كان فارس بـجانب فراشي وسـمعته يقول ضاحكاً « انـهض إذا كنت تريد الركوب معنا » قفزت واقفاً وبدأت بالاستعداد للـمسير.

ناولني فارس قربة مليئة بالـماء، وكتلة من التـمر ، وبضع كرات من الـجبن البدوي القاسي بـحـجم قبضة اليد، وكدسة من الـخبز الطازج.

وبـمساعدة منـاحي - الذي عيّن مرافقاً لي وضعت كل شيء في خرج ذلولي، وأسرجت سدحا فرس الـحرب البيضاء وربطتـها من رسنـها إلى حزام الذلول.

وعندما بدأنا السير كان الظلام سائداً إذ إن القمر قد غاب. كان الليل هادئاً وأصوات الفرسان الذين يغنون أثناء السير لـم يرجع لـها صدى بل عبرت الصـحراء كـموجة صوتية: خفية، سـحرية، جـميلة.

وبدت في الظلام خيالات الـجمال. وبين الفينة والأخرى كنت أسـمع











#000000
* لاشك أن المؤلف كان يقصد ( الفدعان والسبعه والعمارات ).
ولكنه كان يكتب ما يسمع دون تدقيق.










- 53 -

محمد بن دوهان
12-31-2010, 11:05 PM
صوت النعال الـخفيف، أو صرير السروج. وهكذا - كفرسان من عالـم آخر - تابعنا مسيرتنا الصامتة بين التلال حـتى طلع الفـجر علينا وأشرق الشـمس.


وقد زينت رقاب وجوانب جـمالنا بالـحمائل الفضية الدقيقة والأحزمة الـمضفورة والأرسنة الـملونة الـمزخرفة بالـخرز الأزرق والأحـمر. وبـجانب الـجمال هرولت الـجياد برقاب مقوسة قليلاً ، وظـهور ناعـمة مشدودة، وذيول عالية، تربطـها إلى الـجمال القطعة العليا الزاهية اللون من تـجهيزات رؤوسـها، لأن البدو في الـجزيرة العربية - بعكس البدو الأفارقة - لا يستعملون الشكيـمة ولا اللـجام.


ومرشـمة السرج الرقيقة تصنع من جلود النـمر أو الغزال ويربطـها الـحزام الـجلدي الضيق .


وربض الركاب الـمرافقون خلف رفاقـهم على سنام الـجمال العالية وبنادقـهم جاهزة كقطط بريّة بأعين وعضلات متوترة. وتـماوجت فوق أكتافـهم أطراف كوفياتـهم الـتي لفوّها حول رؤوسـهم ورقابـهم.


وفي الظـهيرة كان فارس يركب في مقدمتنـا بين حراسه السود فأعطى الإشارة بتبادل الركوب. وكان قد رأى سـحابة غبار سببتـها على ما يبـدو سيارتان تقتربان بسرعة .


وفي لـمح البصر رمـى سبعة وستون رجلاً قويـاً أنفسـهم - وبنادقـهم في أيديـهم - من ظـهور الـجمال إلى ظهور الـجياد وسـحبوا الأرسنة من أحزمة الـجمال.


ثـم غرسوا أكعابـهم العارية في جوانب خيولـهم وانطلقوا إلى الأمام، وضاعوا في سـحابة من الغبار تاركين فرسان الـجمال خلفـهم الذين لا يسـمعون سوى الصيـحات الـحماسية وصـهيل الـخيول وطرقات حوافرها. انطلاقة الـخيول الـجنونية جعلت فرسي « سادها » متـحفزة فسـحبت رسنـها وأفـهـمتني بأنـها تريد الـمشاركة أيضاً. تناولت بندقيتـي الـموزر وقفزت من ظـهر ذلولـي إلى ظـهرها.

واستـجابت بصـهلة لضغط ساقيّ، وانطلقت وراء الآخرين كالغزال عندما ناديت اسـمها ووجـهي تقريباً يلامس شعر رقبتـها. واقتربت أكثر فأكثر من العصبة الـهادرة أمامي وسرعان ما تـجاوزت الـمؤخرة ولـحقت بفارس وحرسه .









- 54 -

محمد بن دوهان
01-10-2011, 01:53 AM
وظهرت الآن سيارتان فوق تلة وأدركنا على الفور أنـهـما سيارتان الرولة الـحربيتان فوقفنا جـميعاً وانتظرنا وصولـهـما. وثبت أنـهـما تـحملان الأمير فواز بنفسه يرافقه مـجـحم وعدة رجال آخرين. لقد قبضوا في جوار الـمضارب على كشاف من بـنـي صـخر فرفض الإجابة على الأسئلة، ومنع الأمير رجاله من انتزاع الـمعلومات منه بالتعذيب. ومنذ ظـهور الـجاسوس في تـلك الـمنطقة وجد الأمير الشاب من الـمنطقي الاستنتاج بأن قبيلة بـني صـخر قد حـملت السلاح ضد الرولة الـمهددة من الـجهة الأخرى من البشري أيضاًز ولذلك قسـم قواتنـا: ثلـث القـوات الآن بقيـادة مـجـحم تبقى لـمواجهة البشري، والثلث الآخر بقيادة فارس ينـحرف إلى الـجنوب الشرقي ضد بـني صـخر.

وبالطبع وضعت نفسي تـحت إمرة فارس. وقبل افتراقنا عن الآخرين اشتريت ناقة سباق رائعة عـمرها ست سنوات كان صاحبـها الرويلي قد غنـمـها من الشرارات، وهي ذلول غبراء لـها رأس أسد وعينا غزال واسعتان. لقد هِـمْتُ بـحب هذا الـحيوان الرائع من النظرة الأولى. كانت موضع اعتزاز صاحبـها وكلفتني أكـثر مـما حـلمت بدفعه لشراء ناقة سباق - 65 جنيـهاً استرلينياً - ولكنـها كانت تستـحق هذا الـمبلغ.

وأجـمل شيء فيـها وما سـحرني أكثر من أي شيء آخر هو الـخط الـمثالي الطويل للظـهر، وخط الـمعدة الـمرتفع من عظـم الـصدر حتـى الفـخذين الـخلفيتين.

هذه البنية السباقية منـحتـها حرية للـخطوات الرائعة: متناسقة وخفيفة - سلسة وواسعة. كانت سريعة ولا تعرف الكلل سواء في العدو أو في الـخبب كـما برهنت على ذلك يوم اشتريتـها. إنـها لـمتعة عظيـمة أن يُتاحَ للـمرء ركوب الـحيوان الأصيل. حقاً إن شرائي لـها كان صفقة موفقة.

إنـها نـحيلة ولكن لـها قدرة احتـمال غريبة على الرغـم من أنـها مثقلة في أغلب الأحيان، وعلى الرغم من حـجـمـها وبنيتـها الـخفيفة وعظامـها الصغيرة فإِنـها حـملت أثقالاً عظيمة. ومن حيث الـحيوية كانت تضاهي أكبر وأقوى جـمال السباق. ودون أن تفقد أية ذرة من رشاقتـها وجـمال منظرها حـملتنـي هذه الناقة









- 55 -

محمد بن دوهان
01-11-2011, 02:14 AM
الأصيلة لعدة أسابيع في تلك الـمسيرة الشاقة في النفود والعودة إلى الـمضارب دون أن تفقد بشرتـها الـمخـملية لـمعانـها. وحـتى نفسـها الـحلو كان أبـهـج من نفس أس حيوان آخر من جـمال السباق الـتي خبرتـها. كان فـخذها ورقبتـها وساقاها نـحيلة وسنامـها صغير ولكنه صلب، وصوتـها رقيق حنون سواء في القرقرة أو النشـيـج.

وكانت على العـموم تـخاطبنـي بواسطة عينيـها الناطقتين، أو بدفعة رقيقة من أنفـها على كتفي أو على ساقي. وكانت تـحب كثيراً أن تـحكّ جسـمـها عليّ وتلعب معـي. وفي الليل أثناء اجترارها تكنكن وتلتوي بذكـاء لتؤمن لي منامة مريـحة بـجانب جسـمـها الدفيء.

كان شدادها الـمزركش الـمصنوع من خشب الأكاسيا الـمرصِّع بالفضة، والـمساند الـجلدية الثلاثة ، وجلود الأغنام، لا يزال مستقراً فوق أرض غرفـتي، وكثيراً ما أجلس عليه في الـمساء وأقرأ أو أحلم بـمها(1) الشرارية السريعة، وعلى جدران غرفتـي احتفظت بزركشات شدادها وخِرَجَتِـها(2) الشَّعرية الكبيرة ذات الصفوف الطويلة من الشرابات الـمعقودة، والـحافّات الـمضفورة الـتي كانت تتدلى حتـى بطن مـها، وتتأرجـح بانسـجام مع مشيتـها، ولا أزال أحتفظ برشـمتـها أيضاً - تلك الرشـمة الصوفية الـجميلة الـملونة بالأحـمر والأزرق فوق خلفية سوداء.

واتـجهنـا نـحو الـجنوب يصيـح بعضنـا على بعض بسرور، ونغنـي أغـاني الـجمال. في الـجزيرة العربية لا يـحتاج الـمرء إلى مـهمـاز أو كربـاج لـحثّ الـخيول أو الـجمال. فأغاني الراكبين الإيقاعية البـهيـجة، وحَوْرَبتـهم الـمرحة، وأصواتـهم الرخيـمة الصافية تكفي. فالصوت العربي يـختف تـماماً عن النعيب الرتيب النـاعس الأخن عند الـمصريين والسوريين. وأغاني الـجمال ( الـحداء ) البدوي أيضاً منغّـم وجريء ومسترجـل، مـما يـجعل الـجمال والـخيول تـحبُّ هذه التسلية. أثناء الـمسيرات يُغَنُّون ساعات وساعات - هؤلاء الراكبون النـحاف الأشداء. ولكنـهـم غالباً ما يصـمتـون عندما يضنيـهـم الـجوع والعطش والغبـار، وعندمـا يكون من الـمناسب حـماية الفم والأنف من الـحرارة والرمال.









_________________________
( 1 ) مها: يقصد اسم الناقة التي يصفها.
( 2 ) خِرَجَة: مفردها خُرْج وهو وعاء معروف.

- 56 -

محمد بن دوهان
01-12-2011, 06:13 PM
الفصل السابع
موت في الصـحراء


استـمر فارس وعصبته في السـير بـمعنويات عالية.كات السـماء زرقـاء والأرض مكسوة بالـخضرة، وامتدت البرية إلى الأفق بلا انقطاع. أحياناً يفقد الـمرء الإحساس بالتقدم. فـهل كنا واقفين بلا حراك؟ نسير في دائرة ؟ لأن الـمنظر لا يتغـير . ومـع ذلك فالـمرء لايكل منه ولايشبع من هذه الـحركة البـهيـجة.

نرتفع ونـهبط سيراً في السـهوب والصـحراء دون أن ندري. والتـلال لا تـكاد تتـمـيز عن الوديان، سـوى أن الـوادي ما زال يلـمع قلـيلاً بعد الزّخّـة الأخـيرة التـي تكسبه لـمسة أنضر من الـخضرة.

سافرنا لـمدة ثلاثة أيـام لـم نرَ فيـها أية خيـام أو قطـعان. لا شيء سوى الـبرية الـخالية تـحت السـماء الصافـية وقد بـدت البريـة أحـياناً زاهية كالـحة بالـحصـى والأحـجار والـحـمـم البركانية.

وفي اليـوم الرابع، ومن طرف جرف شـديد الانـحدار كـما لو كـان جرفـاً بـحريـاً، رأينـا فـجأة أمـام أعيـننا وادي سـرحـان، فـي مـكان عريـض منه: خلـيط من









- 57 -

محمد بن دوهان
01-18-2011, 03:32 AM
الضـفاف الـحورية، ترتفـع فوق صـخور كلسيـة، وسـهول حـجرية ومستنقعات مالـحة، وتلال رمليـة، وشـجيرات رمادية، ونـجود وأحواض طينية عـميقة الأخـاديد، نتيـجة عوامل الـحت والتعرية.

وفي مساء اليوم التـالي وصلنا إلى ميكوع، وهـو مـورد قديـم للرولـة. كـانت بضع مئات منـهم ما تزال تـحت الـخيام هناك في ظل الـهضاب الرمادية، فبتنـا ليلتنـا معـهم. وطـوال الليـل استـمروا في سقـي قطعـانـهم من الآبـار العـميقة حيث سـمعنا الصرير الـمستـمر للبكرات الـخشبية الصغيرة الـمعلقة على قوائـم خشبية بدائيـة، وقـد تدلـى منـها دلو كبيـر لغـرف الـماء من عـمق يقارب ثـمانين قدمـاً.

وبعد مسـيرة ساعات قليلة بعد ميكوع دخلنا نـجد البسيطـاء الواسعة وهـي على الأرجـح البقايـا الـمنبسطة لأقدم سلسلة جـبـال في الـجزيرة العربية. ولا تـزال بضعة قـمـم صغـيرة ( مغطاة بطبقة من الرمـال ) تبرز عن السطـح الذي يـمتد لأكـثر مـن سـتـين ميلاً، وهـي أرض مستوية تـماماً بدون ماء وبدون مرعى . ويبدو أن هذه القـمـم قد غطته بالـحـجارة السـوداء. وفـجأة تغير العالـم البـهيـج ولـم يبق حـولنا سوى القفار.

وعلى الرغـم من أن البسيطاء بدت مقفرة ورهيبة لأول وهلة إلا أنـّـها بعد بضعة أيـام من الأمان فيـها علـمتنـي كيف أحب هذه القفـار بكل كآبتـها البائسة، إذ خيـّم عليـها الإنعزال والسكينة كأنـها كوكب مـهـجور. وبين الفينة والأخرى كانت تظـهر أمامنا بعض الوعـول أو النعـام إلا أنـها تـهرب منـا بـمجرد اقترابنا منـها. وقلـما مررنا بشـجيرة ترتفع حتـى الركبة أو ورقة خضـراء أو وردة. كـما أننا لـم نسـمع تغريـد أيـة طيـور. حتـى الأفـاعي والسـحالي تـجنبـت هذه القفـار. وأحـياناً في الصيـف ( حسب كـمية الـمطر ) ينـمو في هذا الـنـجد مـحصول غنـي غريب من السـمـح في البسيطاء، وهـو نبات قصير صغير الأوراق ينضـج على أغصـانه نـوع من التوت الـذي يـحتوي على بذور بنيّـة مائلة إلى الـحمـرة. ويـحمّـص البدو هـذه البـذور ويـطـحنونـها للـحصول على دقيق مـرّ داكن. وإذا عُـجـن هذا الدقيق مع الزبـدة والتـمر أو غُلي بالـماء يعطـي نوعـاً من الطعـام يعـرف بالثريـد.









- 58 -

محمد بن دوهان
01-28-2011, 06:09 PM
وبعد تـجديد مـخزوننا من الـماء من بئر الهاوسا تقدمنا نـحو بير باير ثـم إلى وادي سرحان الشـمالي الشرقي وهو يـمثل مراعي بني صـخر الفعلية.

واستطعنا - واحـداً بعد الآخـر - الـمخيـمات الـمتفرقة لعدونـا الـمفترض، مرسلين بعد كل استطلاع رسـولين يـحملان الرسائل التـي تقول بأن تـجمعّنـا الرئيـسي سيكون قرب أم وعل. وفي إحدى الليالي زخف فارس - قائد حـملتنا كـما سـميناه - حتـى اقترب من خيام بني صـخر إلى حد جعله يسـمع حديثـهم. وبدت النتيـجة الإجـمالية لـجهودنا هي الاستنتاج الـمريـح القائل بأن بنـي صـخر لابد انـهم تـخلّوا عن خططـهم لغزو الرولة.

ولكننا توخينا الـحذر. وفي صباح أحد الأيام بينـما كنا ننصب كـميناً على الأرض الـمالـحة تـحت غطاء بعض الشـجيرات ظهرت صفوف طويلة من الـجمال في السـهل وتفرقت لترعى. وخلف هذه الـجمال أتت جـمال الـمحـمّلة بعائـلات بنـي صـخر الـمهاجرة. وتـمنينا أن يـخيـموا قبل حلول الظـهر لنتأكد إذا كان فرسـانـهم كانوا معـهم أم لا . ولكن بعد حلـول الظـهر بوقت طويل استطعنا أن نراهـم من مسافات بعيدة يوقفون جـمالهم. ورميت الـخيام والأعمدة على الأرض، وبدأت النساء والأطفال والعبيد ينصبون خيامهم الـجديدة بـجد وحزم، ووصل بعد ذلك فرسانـهم على خيولـهم، ورجال يركبون الـجمال وهـم الـحراس الذي يـحمون جناحي الـمجموعة الراحلة .

ونـهضنا بدون ضـجيج مغادرين مـخبأنا، وجرينا بـخطوات واسعة خلف ناقة فارس الـتي كانت ضـجرة طوال النـهار. وفـجأة رفضت التقدم وناخت. كان هذا نذير خطر علينا لأن الـمستطلعين دائـماً يتـجولون بـجوار الـخيام البدويـة.

وبالإضافة إلى ذلك فليس هناك مكان أفضل للعدو ليفاجئنا بكـمين، أذ الصـخور الكلسية بيضاء تـحاصرنا من أحد الـجوانب، بينـما في الـجوانب الأخـرى ركام حـجارة سوداء لامعة، وركام ترابي مغطي بالشـجيرات.

وساعد عدد منا فارس على نزع عُدة ناقته، لأنه اتضـح أنـها على وشك الولادة، ولذلك اضطجـعت على جانبـها. ونظر فـارس إلينا خـجلاً وكـأنه يتوقـع









- 59 -

محمد بن دوهان
03-09-2011, 08:59 PM
اللوم. ولكننا جميعاً ضـحكنا على هذه البليّة. ولـم تصدر أية كلـمة نابيـة أو لعنـة أو لوم للناقة البريئة بل ساد ذلك الـهدوء والاتزان البدوي الذي أُعـجَبُ به .

وبقي فارس يلاطف ذلوله الـمحبب برقّـة، وعندمـا حلت اللـحظة الـمناسبة أمسكت برأس الناقة، وقام فارس وأحد عبيده بتوليدها. كان الوليد بطول الرجـل.
في البداية فكرة أنه وُلِدَ ميتاً، ولكن بعد أن لعقته أمـه لبعض الوقت بـدت عليه علائـم الـحياة. وفي تلك الليلة استطاع الـجمل الوليد الوقوف على قوائـمه، وسـمحت له والدته بالرضاعة، ولكن في الصباح أبعد عنـها وقتل. ونـاحت الأم الـمسكينة وانتـحبت بصوت عال على وليدها، ولكنها هدأت عندما عاد إليـها فارس. واسـتـمرت في شـمّ ذراعه وكتفه واستشـمام الـهواء، مـما أثـار فضـولي فاقتربت.قد خاط فارس قطعة من جلد وليدها كُـمّ وكتف عباءته وهذا ما هدّأ الأم. وبعد الظـهر - قبل ركوبنا ثانية - سـمـحت الناقة بـحلبـها. كانت تنشـج من وقت لآخر ولكنـها تـهدأ فوراً عندما يـمد فارس يده أو يضغط بكتفه على خياشـيـمـها.

وأخيراً - تقدمنا حوالي الظـهر وأمامنا رجال استطلاعنا. ورأينا النسور تـحوم خلف أحد الـجروف - وعند سفـح الـجرف البعيد وجدنـا أرضـاً مـمـهدة بالأقدام وجثة بدوية وجـملة. كان الرجل قد جُرّد تـماماً، ولـم نـجد أي قطعة من الـملابس أو الشداد أو العّدة لتدلنا على الـمكان الذي قدم منه أو القبيلة الـتي ينتـمي إليـها.

وفي تلك اللـحظة عاد أحد رجال استطلاعنا ليقـول إن جـمال بنـي صـخر ترعى على مسافة قريبة منا ومعـها الرعيان والـحراسز

وفـجأة لـمحـنا عدداً من الرجـال فـوق أحد الـمرتفعات مـختبئين خلـف الشـجيرات، كـما رأينا لـمعان بنادقـهم مصوباً نـحونا، فـصاحوا باتـجاهنا « أنتـم هناك يا راكبي الـجـمال ». ورد فارس: « أصدقاء ». ولكن ما إن توقفنا حتـى لعلعت الطقات فوق رؤسنا . وضـحك فارس ثـم صاح : « بنوا صـخر ! وهنا يقف الرولي فارس بن نايف. سلام. السلام عليكم ».









- 60 -

محمد بن دوهان
04-22-2011, 12:14 AM
ولكن الرجال لم يثقوا بنا ، إذ لابد أنه بدا لهم من الـمريب أن يظـهر غزوة من الرولة في مثل هذه الـمنطقة البعيدة، فلـم يردوا تـحيتنا ، وبدلاً من ذلك صـدرت صرخات من حولنا « اقتلوهم ! اقتلوهم » . وبدا أن أعداداً جديدة أخذت بالظـهور من تـحت الأرض ، إذ من الـمؤكد أنـهم تركوا خيولـهم بعيداً عن الـمكان وزحفوا إليه تـحت الـحماية . وفي النـهاية - عندما بدت صرخاتـهم للقتل نذير شؤم، ولعلع رصاصـهم عدة مرات ، وبينـما كنا نـحاول إفـهامـهم في هذا الظرف القاسي - خرج رجل من مـخبئه وصاح « فارس بن نايف ».

ونزل قائدنا من ظـهر ذلوله وصاح بسرور : « جراد بن جنيب » إنه أحد شيوخ بـنـي صـخر وأحد أصدقاء فارس القدامى.

وفي لـحظة من الزمن خرج بنو صـخر من مـخابئـهم والتفوا حولنا، وأمطرونا بوابل أسئلتـهم عندما قادونا إلى مـخيـمـهم الواقع على مسيرة بضع ساعات . وفي الطريق حدثـهم فارس حول أسر أحد رجل استطلاعـهم ورحلتنا السلـمية إلى مراعيـهم للاستقصاء. واعترض ابن جنبي مراراً وتكراراً بأن بني صـخر كانوا في « سلام لا تشوبه شائبة » . مع الرولة، وأن الـجاسوس الأسير إنـما هو قاطع طريق وطريد من القبيلة ، أراد نـهب الروله لـحسابه الـخاص.

وعندما ترجلنا في ديار ابن جنيب ذبـح لنا جـملاً أمام أعيننا ، ووضع أحد العبيد دمه في إناء، ثـم امتشق حفنة من الأعشاب وغـمسها في الدم ، ورسـم بـها الشعار القبلي على رقاب وجوانب رواحلنا. كان القصد من ذلك ضـمان نوايانا السلـمية، وضـمانة لنا بين بقية بني صـخر. كانت فصيلة منـهم لا تزال تطارد البدو من منطقة الـحمـم الشـمالية الغربية الذين دخلوا وادي سرحان وهاجـموا - في اليوم السابق - رعاة بني صـخر الذين كانوا يرعون جـمالـهم. وخسر الغزاة قتيلاً واحداً - وهو القتيل الذي وجدنا جثته - وجرح اثنان من بـني صـخر..

زرت هذين الـجريـحين فوجدت أحدهـما مصاباً بـجرحين خطيرين في صدره وفي بطنه وهو على وشك الـموت. بذلت أقصى جـهدي لإنقاذه - إذ اصطـحبت معي حقيبة معداتي الـجراحية والـمورفين والضـمادات - ولكن بعد فوات الأوان .








- 61 -

محمد بن دوهان
04-22-2011, 12:17 AM
وكل ما استطعت القيام به هو تسـهيل ساعاته الأخيرة بتـخفيف آلامه. ولـم يكن الرجل قد تـجاوز الأربعين من العمر . حـمله أصدقاؤه إلى خيـمة ابن جنيب القريبة ومددوه هناك. وبعدئذ قاد أحد العبيد راجلة جـميلة إلى الـمكان. ومن الـمؤثر أن الـحيوان الذكي شعر بقرب موت راكبه فداعبه مراراً، ودار حوله بعينين قلقتين واسعتين ملامساً الرجلا الغرباء بشفتيه الـمشقوقتين وخياشيـمه الـحريرية الناعمة .

كان الرجل يتـحدث مع زعيـمه ابن جنيب عندما أغـمى عليه نتيـجة النزيف الـحاد. وعندما استفاق هـمس ببعض الكلـمات إلى أحد العبيد. وقبل أن أدرك ما حدث لوى العبد رأس الـجمل وذبـحه بطعنة سريعة من خنـجره في الوريـد الوداجي.

وفي الـحال سلـخ العبيد الآخرون الـحيوان وفرشوا جلده أمام الـخيمة ووجهها الوبري على الأرض . وبعد ذلك خلعوا ملابس الرجل الـجريـح ووضعوه على الـجلد . كانت أمنيته الأخيرة أن يدفن في جلد ذلوله العزيز. وقد أسعدته إمكانية تـحيقيق أمنيته وهو على فراش الـموت. ولكني لست الوحيد الذي أسف لـموت هذا الـحيوان الرائع دون جدوى.

وعندما لفظ الرجل أنفاسه الأخيرة في الـمساء قام أربعة حراس من أصدقائه ولـمسوا - الواحد بعد الآخر - جبهته برؤوس أصابعـهم . ركع ابن جنيب بـجانب الـميت ووضع يده تـحت أبطه الأيسر وبعد فترة قال : « حقاً إنه بارد ».

نـهض ابن جنيب مسرعاً ولفّ الـجلد الـمبلل فوق الـجثة وطلب من عبيده أن يـحفروا له قبراً في الرمال . وبدون أية طقوس أو أية انفعالات حـملت الـجثة ودفنت تـحت التراب .

وبعد مفارقة بني صـخر اتـجهنا - في طريق العودة - ببطء نـحو منطقة بير هاوسا التي يكثر فيـها الصيد.

وعند الآبار قابلنا رجـالاً يسقون قطيعاً من الـجمال إنـهم من الشرارات أصدقاء الرولة ، وقد ساعدونا على سـحب الـماء من الآبار الـتي يبلغ عـمقها خـمسين










- 62 -

محمد بن دوهان
04-22-2011, 12:19 AM
قدماً. وفي الـمساء انسـحبنا وإياهـم إلى التلال القريبة وخيـمنا في واد صـخري بعد وضع الـحراس فوق القـمم السوداء . وتلألأت النـجوم علينا ونـحن نتناول عشاءنا الـمؤلف من لـحم جـمل صغير طري مشوي وخبر القصـم وحليب النوق الطازج الـمتبوع بالـحلويات الـمعتادة من التـمر الــممزوج بالسـمن. ولـم ننـم نـحن الرولة قبل منتصف الليل - كل رجل تـحت رأسه بندقيته الـملقّمة - لأننا لـم نثق تـماماً بالشرارات على الرغم من أننا أكلنا وشربنا معاً وعلى الرغم من أنـهم يعيشون تـحت رعاية نـوري الشعلان. ولكن انقضى الليل بسلام. وفي الصباح ودّعنا مضيفنا بعد أن تبادلنا بعض الـهدايا البسيطة.


* * *










- 63 -

محمد بن دوهان
06-11-2011, 11:47 PM
الفصل الثامن
النمر والنعامة


قضينا بضعة أيام بين النجود البركانية في جبل طبيق ، حيث ترتفع الصـخور الشديدة الانـحدار والصـخور القـمـمية والـمتشققة إلى مقدار ستـمـئة قدم فوق مستوى الـمراعي الـمفروشة بالورود والوديان، الـمغطاة بالـجلاميد البركانية السوداء . إنـها منطقة ذات جـمال وحشي تكثر فيـها الغزلان وطيور الصيد.

وحدث هناك أن وجدنا - أنا وفـارس اثناء مطاردة فريسة - ثلاث خيام منصوبة في أحد الأغوار. إنـها تـخص تلك الـمجموعة الغريبة الصلبان؟ ( الـمفرد: صليب ) وهم قناصة حرفيون بدو. وفي العرف العام فإنـهم يشبـهون الغـجر بَصّارون يطببون الإنسان والـحيوان ويـحبون الـموسيقى ولديـهم ميل للأمور الغامضة والـخرافية.

الصلبان يبزون البدو الآخرين في الصيد، واقتفاء الأثر والاستطلاع، ويعرفون الصـحراء أفضل من البدو الرحل الآخرين، إذ إنـهم يعرفون دون سواهم كثيراً من الآبار الـمنعزلة. أصلـهم لغز وعددهـم قليل، ولكنـهم يتكتلون في تنظيـمٍ عشائري بقيادة زعيـم لــهم، ويدفعـون الأتاوة للرولـة والقبائل البدوية الأخرى .




















-65-